تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
لشهواتكم ، والشهوات لا يخرجها من القلوب إلا خوف مزعج ، أو شوق مقلق . وقال ذو النون ، رحمه اللّه : بينما أنا أسير في جبال أنطاكية ، فإذا أنا بجارية ، كأنها مجنونة ، وعليها جبة صوف ، فسلمت عليها ، فردت علىّ السلام ، ثم قالت : ألست ذو النون المصري ؟ فقلت : عافاك اللّه ، كيف عرفتني ؟ قالت : الحبيب بيني وبينك ، فعرفتك باتصال معرفة الحبيب ، ثم قالت : أسألك عن مسألة ؟ قلت : سليني ، قالت : أي شئ عندك من السخاء في الدين ؟ قلت : المسارعة إلى طاعة اللّه ، قالت : أتحب منه الجزاء ؟ قلت : نعم للواحد عشرا ، قالت : مر يا بطال ، هذا في الدين قبيح ، ولكن المسارعة إلى طاعة المولى ، أن تطلع على قلبك وأنت لا تريد « 1 » منه شيئا ، ويحك يا ذا النون ، إني أريد أن أقسم عليه في طلب شهوة منذ عشرين سنة ، فأستحيى منه ، مخافة أن أكون كالأجير السوء ، إذا عمل طلب الأجر ، ولكن أعمل تعظيما لهيبته « 2 » وعز جلاله ، ثم ولت وتركتني . ويقال : إن أبا عثمان الزاهد ، قال : استقبلني يوما في بعض سكك الكوفة ثلاثة « 3 » مجانين ، أحدها عليان المجنون ، والثاني حيان المجنون ، والثالث بهلول المجنون ، فسلمت عليهم ، فردوا علىّ السلام ، قلت : أين تريدون ؟ فقال : نسيح في الأرض ، على عزم التوكل ، وصحة اليقين ، والانقطاع إليه ، ثم أقبل علىّ عليان المجنون ، وكان أكبرهم سنا ، فقال لي : أنت أبو عثمان الزاهد الذي يزعم أهل الكوفة أن [ ك ] أكثرهم صلاة ؟ قلت : كذا يقولون ، فقال : لقد أطعموك « 4 » بصلاتك ، ثم قال : تحسن أن تسمع ؟ قلت : نعم ، فأنشأ يقول :
فم دعاني الهوى لمعصية * إلا نهاني الحياء والكرم ولا إلى محرم دعت بدني * ولا سعت بي لريبة قدمي
ثم أقبل بهلول ، وأنشأ يقول :
هامش
( 1 ) في الأصل : لا يريد . ( 2 ) العارف الحق لا يطلب لنفسه شيئا ، ولا لولده ، ولا لأهل بيته ، فإن دعا لنفسه أو لولده ، عوقب بالرجوع إلى مرتبة المريدين ، وحرم من قرب المعرفة ، وقد شاهدت أستاذي الحبيب سيدي الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الخالق الشبراوي وأولاده مرضى ، ولا يدعو لهم بالشفاء ، وإنما يدع المريدين من أحبائه يدعون لهم ، ورأيته رضى اللّه عنه في المرض الشديد ، وما يطلب من اللّه الشفاء البتة ، وتلك سمة المعرفة الحقة . ( 3 ) في الأصل : ثلاث مجانين . ( 4 ) أي أعطوك أجرك بمدح صلاتك .