الملكوت وهو يجد لذة الشراب والطعام .
قال : وأوحى اللّه تعالى إلى داود ، عليه السلام : يا داود ، أخبر أهل الأرض عنى أنى حبيب لمن أحبني ، وجليس من جالسنى ، ومؤنس لمن أنس بذكرى ، وصاحب من صحبني ، ومطيع لمن أطاعني ، ومختار لمن اختارني ، فارفضوا يا أهل الدنيا ما أنتم فيه غرورها ، وهلموا إلى كرامته ، ومصاحبته ، ومحادثته ، وأنسو بي آنس بكم ، وأسارع إلى محبتكم ، فإني خلقت أحبائي من طينة إبراهيم خليلي ، ويحيى بن زكريا ، ومحمد بن عبد اللّه صفيى ، لا أعرف حبى في قلب عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قتلته لنفسي ، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي ، ذلك بأنى أجود ما أجد أقول للآمر كن فيكون ، وأنشدوا للحسين بن منصور الحلاج :
أنت بين الشغاف والقلب تجرى * في مجرى الدموع من أجفانى
وتحل الضمير جوف فؤادي * كحلول الأرواح في الأبدان
ليس من ساكن إلا تحرك إلا * أنت حركته خفى المكان
وقال الحسين : إن الأنبياء سلطوا على الأحوال فملكوها ، فهم يصرفونها لا الأحوال تصرفهم « 1 » ، وغير الأنبياء سلط عليهم الأحوال تصرفهم لا هم يصرفون الأحوال .
هامش
- الهيبة ، كثر أكله ، وكثر الأكل للمحققين ، دليل على صحة سطوات أنوار الحقيقة على قلوبهم بحال العظمة من شهودهم ، وقلة الأكل بهم دليل على صحة المحادثة بحال المؤانسة من مشهودهم ، وكثرة الأكل للسالكين ، دليل على بعدهم من اللّه تعالى ، وطردهم عن بابه ، واستيلاء النفس الشهوانية البهيمية بسلطانها عليهم ، وقلة الأكل لهم دليل على نفحات الجود الإلهى على قلوبهم ، فشغلهم ذلك عن تدبر جسومهم .
والجوع بكل حال ووجه سبب داع للسالك والمحقق إلى نيل عظيم الأحوال للسالكين ، والأسرار للمحققين ، ما لم يفرط الجائع ، فإنه إذا أفرط أدى إلى الهوس ، وذهاب العقل ، وفساد المزاج ، فلا سبيل للسالك أن يجوع الجوع المطلوب لنيل الأحوال ، إلا عن أمر شيخ ، فأما وحده فلا سبيل ، ولكن يتعين على السالك إذا كان وحده التقليل من الطعام ، واستدامة الصيام ولزوم أكلة واحدة بين الليل والنهار ، وأن يغب من الأدم الدسم ، فلا يتأدم في الجمعة سوى مرتين إن أراد أن ينتفع حتى يجد شيخا ، فإذا وجده سلم أمره إليه وشيخه يدبر حاله وأمره إذ الشيخ أعرف بمصالحه منه .
وحق الجوع الخشوع ، والخضوع ، والمسكنة ، والذلة ، والافتقار ، وعدم الفضول ، وسكون الجوارح ، وعدم الخواطر الرديئة ، هذا حال الجوع للسالكين ، وأما حاله في المحققين ، فالرقة ، والصفاء ، والمؤانسة ، وذهاب الكون ، والتنزل عن أوصاف البشرية بالعزة الإلهية ، والسلطان الرباني ، ومقامه المقام الصمداني ، وهو مقام عال له أسرار وتجليات وأحوال . المصدر السابق ، راجع أيضا مواقع النجوم للشيخ الأكبر عضو المغلب .
( 1 ) في الأصل : يصرفهم .