تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
إن طرفي ومقلتى ولساني * وضميري عن الخناء عفيف
فقلت : ما ثالثكم لا يتكلم ؟ قال : سله عن الكلام ، فقلت له : حبيبي قل كما قال أصحابك ، فقال : إني مشغول وقلبي متفكر ، قلت : بماذا ؟ فقال : وهل في قلوب العارفين شغل « 1 » غير اللّه ، ثم أنشأ يقول :
يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما أن سواك أريد
وفي مثل ذلك يقول :
خسيس الحال في الدنيا * نحيل الجسم مسرور عليه الحزن مكتئبا * وباللفافة مسرور كساه عليه طمراه * عليه البر منشور فلا يعرفه الخلق * فهو في العرض مشهور كذا من كان صديقا * له في قلبه نور
وقال سرى السقطي : أحذر أن يكون ذلك ثناء مشهور ، وعيب مستور . وقال بعض السلف : من أراد أن يصل إلى روح التوحيد ، فعليه بثلاث خصال : ترك الكلام « 2 » ، وتلقى الأحكام ، وقلة الطعام « 3 » ، فحرام على قلب أن يلج في
هامش
( 1 ) في الأصل : بشغل . ( 2 ) الصمت من أمهات الطريق ، وهو نوعان : صمت باللسان عن الحديث لغير اللّه ، مع غير اللّه جملة واحدة ، وصمت بالقلب عن خاطر يخطر له في النفس في كون من الأكوان البتة ، فمن صمت لسانه ، ولم يصمت قلبه ، خف وزره ، ومن صمت لسانه وقلبه ، ظهر له سره ، وتجلى له ربه ، ومن صمت قلبه ، ولم يصمت لسانه ، فهو ناطق بلسان الحكمة ، ومن يصمت بقلبه ولا بلسانه ، كان مملكة للشيطان مسخرة له ، فصمت اللسان ، من منازل العامة ، وأرباب السلوك ، وسمت القلب من صفات المقربين أهل المشاهدات ، وحال صمت السالكين السلامة من الآفات ، وحال صمت المقربين مخاطبة التأنيس ، فمن التزم الصمت في جميع الأحوال كلها ، لم يبق له حديث إلا مع ربه ، فإن الصمت على الإنسان محال في نفسه ، فإذا انتقل من الحديث مع الأغيار إلى الحديث مع ربه ، كان نجيا ، مقربا ، مؤيدا في نطقه ، إذا نطق نطق بالصواب ؛ لأنه ينطق عن ربه ، فالنطق بالصواب نتيجة الصمت عن الخطأ ، والكلام مع غير اللّه تعالى خطأ من كل وجه ، ولغير اللّه سوء من كل وجه ، قال تعالى :لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ[ النساء : 114 ] . حلية الأبدال للشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربى ، نسخة خاصة ، بمكتبة العارف الأكبر سيدي عبد الخالق الشبراوي . ( 3 ) الجوع جوعان : جوع اختياري ، وهو جوع السالكين ، وجوع اضطراري ، وهو جوع المحققين ، فإن المحقق لا يجوع نفسه ، ولكن قد يقلل أكله ، إن كان في مقام الأنس ، فإن كان في مقام -