كأحدكم ، فإذا سمع الأذان ، قام مسرعا ، كأنه لم يعرفنا .
وسئل الشبلي عن العارف ، فقال : لسانه بذكر اللّه ناطق ، وقلبه بمحبة اللّه صادق ، وسره بموعود اللّه واثق ، فهو أبدا على اللّه عاشق ، ثم قال : لسانه لطيف ، ونفسه عفيف ، ودينه كثيف ، وهو يعرف أن مولاه شريف ، وأنشدوا :
يا حسن عبد أحب مولاه * وحسن قلب يصيد معناه
طوبى لمن كان عاشقا دنفا * يشكو إلى ذي الجلال بلواه
يا ذا المعالي عليك معتمدي * طوبى لمن كنت أنت مغناه
وقال : العارف قلبه سليم ، وفؤاده سقيم « 1 » ، ونفسه كظيم ، وبلاؤه عظيم « 2 » ؛ لأن معاملته مع رب كريم .
وقال : نفسه مذلل ، وقلبه مدلل ، وروحه منحل « 3 » ، وجسمه مسبل .
وقال الجنيد : رأيت سبعين عارفا قد هلكوا بالتمنى والتوهم ، يعنى أنهم ما عرفوا اللّه ، وهو قوله :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
[ النجم : 28 ] .
وقال يحيى بن معاذ : جسم معيوب ، وقلب معيوب ، وخلق معيوب ، ودار معيوب ، أفتطالبنى أن أخرج بين هؤلاء المعيوبين عملا لا عيب فيه ؟ ! وعزتك لا أقدر على ذلك إلا بعونك ، فأعنى « 4 » .
وقال أبو طالب : أفضل ما نوى العبد في عمله ألا يريد بعمله إلا وجه اللّه وحده .
وقال يونس بن عبيد : خلق اللّه القلوب معدنا لذكره ، فجعلتموها « 5 » معجنا
هامش
( 1 ) القلب السليم هو الذي لا يحمل الحقد والغل لأحد ؛ بل يرحم الكلّ . والفؤاد السقيم هو باطن القلب الحائر في المعرفة فلا يهنأ ، ولا يهدأ ، ظاهر ساكن ، وباطن مائج .
( 2 ) أعظم البلاء يكون لأقرب الناس إلى الناس إلى اللّه ، وليس بعد الخوف بلاء ، وكان أحد المريدين قد عرض حالا من الخوف الشديد على حضرة المرشد الأكبر العارف الجليل سيدي الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الخالق الشبراوي ، فرد عليه قائلا : هل تخاف من رئيس الدولة يا ولدى وأنت في بيتك أو في المسجد ؟ قال : لا ، قال : فمتى تخاف منه ؟ قال : إن كنت في حاشيته اشتد خوفي منه ، قال : أبشر ، فالخوف من دلائل القرب . البلاء يزيد العارف علما بربه ؛ لأنه يزيده فقرا إليه .
( 3 ) الروح المنحل هو الهائم في عالم المعرفة ، لا قرار له ولا مقام .
( 4 ) هذه حقيقة الفقر إلى اللّه ، وحقيقة المعرفة به ؛ لأن القائل ، رضى اللّه عنه ، عرف نفسه ، فعرف ربه .
( 5 ) في الأصل : فجعلتموه .