ولى ألف باب قد عرفت مكانه * ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
فهذا يكفى لمن له فهم وفطنة ، في معاني ما أشرت إليه من علم التوحيد ، وصحة التوحيد ؛ لأن علامة المعرفة بالعارف ، ترك الطلب لما قد غاب « 1 » عنه ، وما غاب عنه شئ ، فليس بعارف .
وقال أبو يزيد : المعرفة أولها هو ، وأوسطها هو ، وآخرها هو « 2 » .
وقال بعضهم : العارف ينظر باللّه ، والمؤمن ينظر بنور اللّه ، وللمؤمن قلب ، وليس للعارف قلب ، وأنشدني ذلك :
يقولون لي قلب فها أنا فتشوا * فإن كان لي قلب فما أنا صادق
وقيل : من سكن إلى غير اللّه ، فهو من قلة معرفته باللّه ، وقيل : إن العارف يقبل [ عليك ] بوجهه كأنه لم يعرف غيرك ، فيقوم عنك كأنه لم يعرفك قط « 3 » .
وقال : أدنى ما يجب على العارف أن يهب لمولاه « 4 » ما ملكه مولاه حتى يصير كله لمولاه ، فيحصل له مولاه « 5 » ، فإذا حصل له مولاه ، فكأنه عاد إليه كل الكل بالكلية ،
هامش
( 1 ) يرى بعض الفلاسفة العقليين وجوب الخوض بالعقل في كل شئ حتى المغيب عن درك العقل ، فخرجوا بأفكار مضحكة ، ومذهب الصوفية أسلم ؛ لقصور العقل عن فهم كثير من الأشياء المتصلة بالإنسان ، فكيف بالمغيب البعيد .
( 2 ) في الأصل : الضمير في الفقرة كلها للمؤنث الغائب .
( 3 ) لأن العارف ابن الوقت ، ويسلك مع الأنفاس ، فهو إن أقبل على أحد من الناس ، فإنما يقبل عليه باعتبارين :
الأول : أن هذا الشخص أثر من آثار الصفات الإلهية ، والأسماء الربانية ، فهو يشهد تلك الأسماء والصفات في كل حركة ، وتصرف ، وكلمة تصدر من هذا الإنسان ، فهو من هذه الناحية في تأمل ، وذكر خفى ، وترق في المقامات . الثاني : اعتبار التعليم ، والتربية ، والإرشاد .
وكلا الاعتبارين سلوك إلى اللّه ، فإذا قام من مجلس ، وصل مشاعره في الحال بالمشاهد العلوية التي لا تنتهى ، فلا يعرف من كان معه ، ولا من أمامه .
( 4 ) في الأصل : لولاه .
( 5 ) إنما تخلى اللّه تعالى عن السالكين إليه خاصة ، وعن الناس عامة ، لاستقلالهم بأنفسهم حسا ، ومعنى ، وحينئذ ينسيهم اللّه حقائق أنفسهم ، فيمنعون في الاستقلال بأنفسهم ، وبما ملكت أنفسهم ،نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ[ الحشر : 19 ] .
والسلوك الحق أن ينظر المرء في نفسه وما ملكت ، فيجد أن نفسه وحياته مستعارة من اللّه تعالى ، وأن ماله وولده ، وما حوله إنما هو هبة اللّه للإنسان ، فإذا تحقق بذلك معنى وحسا وعينا ، ألقى بنفسه بين يدي مولاه ، ووهب لمولاه ، مالك مولاه ، فيحقق فقر الإنسان إلى ربه ، وحينئذ يكون غنيا به ويكفيه ما أهمه .