وتعلم أن أوصاف الحق مباينة لأوصاف خلقه ، باينهم بصفاته قديما ، كما باينوه بصفاتهم حديثا ، فهذا هو التوحيد ، وما سواه فهو تلحيد لا توحيد .
كما جاء عن جعفر بن محمد الصادق ، أنه أمر بضرب غلام له في جناية ، فلما مد للضرب ، قال الغلام : تضرب من ليس شفيع غيرك ؟ فأين كرمك وإحسانك ؟
فخلى عنه ، فقال الغلام : ما أنت خليتنى ، لكن خلى عنى من أجرى الكلمة على لساني ، فقال جعفر : موحد ورب الكعبة ، لا يرى مع اللّه غير اللّه .
وقيل : التوحيد هو أن تفتقد نفسك بوجود ربك ، ثم تغيب عن وجودك بفناء رؤية وجودك ، فيبقى الرب كما كان قبل كونك ، وترجع أنت إلى ما كنت قبل كونك ، ثم قال : حجبوا بالاسم ، فعاشوا ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا ، ولو كشف لهم « 1 » عن الحقيقة « 2 » لماتوا ، وأنشد في ذلك :
فقلت لأصحابي هو الشمس ضوؤها * قريب ولكن في تناولها بعد
وقال أيضا :
هامش
( 1 ) في الأصل : عليهم .
( 2 ) في هذا القول للحسين الحلاج وأمثاله نزوع نحو مذهب وحدة الوجود ، ويعتقد بعض الدارسين أن وحدة الوجود عند الصوفية ، هي وحدة الوجود عند الفلاسفة ، والواقع غير ذلك ، فوحدة الوجود عند الصوفية عبارة عن وحدة الأسماء والصفات الإلهية ، فمثلا وحدة الخلق يفهمونها هكذا كل ما في الكون خلق اللّه ، فهو مظهر صفة الخلق ومجلاها الذي نستيطع أن نفهم صفة الخلق بها ، من حيث التدبر والتأمل ، ونتدرج منها إلى أن نستشرف على عين صفة الخلق ذوقا ، وشهودا ، وإحساسا ، لا اتحادا وحلولا ، وصفة الوجود الحق للّه فحسب ، أما الموجودات الكونية ، فوجودها مستعار من وجود الحق ، وكل ما كان وجوده مستعارا ، فليس وجوده أصيلا ، فهو موجود ولا موجود ، موجود وجودا مستعارا ، وليس موجدا ؛ لأن الموجود الحق الذي يستمد وجوده من ذاته هو اللّه فقط ، ثم تتجمع الأسماء والصفات الإلهية كلها في الاسم الجامع ، وهو اللّه ، فصار الوجود الكوني راجعا إلى الأسماء والصفات ، وصارت الأسماء والصفات راجعة إلى الاسم الجامع ، والاسم الجامع مغيب في غيب الذات التي لا يدركها مدرك على وجه الكون كله ، ولا ضرر مطلقا في اعتقاد هذا المذهب بأي حال .
أما وحدة الوجود عند الفلاسفة ، فيقول فيها أفلاطون : إن الموجود المطلق لا يمكن بأي حال أن يعيش وحده ، ولذلك يفيض من ذاته موجودات أخرى ، وتقول الفلسفة المسيحية : إن الفلسفة هي التي جعلت الموجود المطلق يتعدد ، وغير ذلك من الترهات العجيبة ، فهل رأيت الفارق بين النظرين ؟ وحدة الوجود عند الفلاسفة تخضع لمداركهم العقلية ، ووحدة الوجود لدى الصوفية تخضع لمشاهدهم الذوقية في الواحد المطلق ، بل المطلق هو الإطلاق ؛ لأنهم يرون في كلمة المطلق قيدا لا يجوز وصف المطلق به .