تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وقال أبو اليزيد البسطامي ، رحمه اللّه : إن خواصا من عباده هبت عليهم رياح العناية ، فتجردت همتهم ، وتوحدت أسرارهم ، فهم بالوحدانية مطالبون ، وبتجريد التوحيد مرادون ، توحشهم الأرواح ، وتكدرهم ولائج الأغيار ، ويؤنسهم الواحد الجبار ، لا يحتملوا غنج مخلوق ، ويؤلمهم مسقط الذباب لما في أسرارهم من غليان التوحيد ، لا يخافون إلا من واحد ، ولا يعملون إلا لواحد ، ولا يشيرون إلا إلى واحد ، فهم وحش اللّه في أرضه ، وغربائه من بين جميع خلقه ، لا قرار لهم ولا فرار ، وأنشد في ذلك :
ووحشى الطبيعة مستهام * تفور « 1 » القلب تأباه الديار خيالي التألف ذو « 2 » انفراد * غريب الله مأواه القفار
وقال : من أراد أن يذكر الواحد ، فلينس « 3 » ما دون الواحد ، حتى تحصل لك محبة الواحد . كما قال جعفر بن محمد الصادق : الموحد من طالعه الحق بنور التوحيد ، [ و ] هو ألا يكون للمخلوقين في قلبه خطر . وقال : من طلب مطالعة التوحيد قبل خمود البشرية هلك في الهالكين ، وكذلك من طلب حقيقة التوحيد قبل الإشراف على الإسرار يهلك . وقال : توحيد اللّه في المعرفة ألا تعرف معه غيره ، فتوحيده بالرجوع إليه في كل ما لك وعليك ، فلا تسأل أحدا غيره ، ولا تشك إلى سواه ، ولا تحب غير إياه « 4 » ،
هامش
( 1 ) في الأصل : ذي انفراد . ( 2 ) في الأصل : يغور ، وقد كرر هذا القول مع بعض الأقوال من هذا الباب في الكتاب . ( 3 ) في الأصل : فانس ، وكيف ينسى ما دون الواحد ، وهو يعيش بين مظاهر الكون وفي قوانين الأسباب . يقول الإمام أحمد العربي الدرقاوى في كتابه سور الهدية ، مخطوط ، نسخة خاصة : إسقاط الأسباب اختلال ، ونسبة الأعمال إليها زندفة ، والنظر إليها من أصل العين تحقيق ، وعلى هذا يكون نسيان ما دون الواحد أن ينظر إلى الأكوان على أنها ناشئة من أسباب ظاهرة اقتضتها حكمة الواحد ، ويتدرج الناظر إلى سبب السبب حتى يدرك الأعيان كلها فائضة من الواحد ، فهنا يتحقق لك نسيان غير الواحد ، أما الاطمئنان إلى الأسباب بقطع النظر عن موجدها ، فهو جهل فاضح ، فضلا عن كونه زندقة . ( 4 ) يقول الشيخ الدرقاوي في المصدر السابق : إذا كانت لك حاجة فأنزلها بمولاك ، قبل أن تنزلها بالمخلوق ، تجد الخير الكثير ، ولا تحاول أن تسأل مخلوقا ؛ لأنك حينئذ تكون قد أقفلت باب الاضطرار بيديك ، وهو باب عظيم من أبواب القرب إلى اللّه يقوم لك مقام الاسم الأعظم ، وهذا أصل عظيم من أصول الشاذلية ؛ لأن سلوكهم نزولى كما أوضحنا في تعليق آخر .