يفوتني ، فدعني أمضى فيما أمرت به ، ثم امض لما أمرت به ، فدعا بماء ، وتوضأ للصلاة « 1 » ، ثم تمدد ، وأغمض عينيه ، وتشهد ، ومات ، رحمه اللّه ، وأنشدوا في ذلك :
يقولون ثكلى ومن لم يذق * فراق الأحبة لم يثكل
لقد جرعتنى ليالي الفراق * شرابا أمر من الحنظل
قال : فأخبرني بعضهم أنه رأى خير النساج « 2 » ، فقال له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : لا تسألني عن هذا ، ولكن استرحت من دنياكم الوضرة « 3 » .
قال : وسئل الحسين « 4 » بن عبد اللّه ، رضى اللّه عنه ، عن أصول الدين ، فقال :
إثبات صدق الافتقار إلى اللّه ، وحسن الاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 5 » .
هامش
( 1 ) الوضوء أصل عظيم من أصول تحويل النفس إلى روح ، أو عزل النفس عن الروح ، ثم سيطرة الروح عليها ، ولذلك شرع الوضوء ، وكان من السنن أن يكون الإنسان على طهارة دائمة ما أمكن ، وفي سر ذلك يرى أستاذي العارف الأكبر ، سيدي الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الخالق الشبراوي ، أن الوضوء يفعل في باطن الإنسان فعل المغناطيس في الحديد ، فكما أن الحديد تترتب جزيئاته بفعل المغناطيس ، فكذلك باطن الإنسان تترتب جزئياته النفسية وحدها والروحية وحدها ، فتنعزل الروح عن النفس ، وتتم لها السيطرة عليها ، ويصير للمجموع الإنسان الذي يدوم على ذلك مجالا جاذبا كالمجال المغناطيسى تماما ، وهذا المجال الجاذب الإنسانى إذا اقترن بمداومة التوجه الكلى للّه ، كان جذبه للأسرار والمعارف من حضرة الغيب ، وإلا كان جذبه لمماثله من جنس الإنسان .
( 2 ) في الأصل : فأخترنى بعض خير النساج أنه رأى في المنام له .
( 3 ) الوضر الدرن والدسم ، يقال : وضرت القصعة توضرا ووضرا ، إذا دسمت ، والوضر ما يشمه الإنسان من ريح يجده في طعام فاسد . على هامش الأصل .
( 4 ) في الأصل : عن الحسين .
( 5 ) في شؤون الدنيا والآخرة ، ولقد غلط بعض علماء الشريعة في تفسير حديث تأبير النخل ، حيث أمرهم الرسول بعدم تلقيح النخل حين رآهم ، قائلا : « لو تركتموها لصلحت » ، فتركوها ففسد التمر ، وهنا قال علماء الشريعة : إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم تكن له دراية كاملة بأمور الدنيا ، لدوام توجهه إلى ربه ، وسحب علماء الشريعة نفس الحكم على رجال التصوف ، ولو فقهوا لرأى الرسول صلى اللّه عليه وسلم لوجدوه الحق ، ولا حق غيره ؛ لأن جميع الأشجار والنبات تترك كما هي ذكورها وسط أناثها ، فتلقحها الرياح اللواقح دون أي تدخل من الزارع ، أما في النخل ، فقد تعود زارعوه أن يقتلعوا ذكوره ، ويدعون منها واحدا يأخذون منه الطلع لتلقيح النخل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو تركتموها على أصل وجودها دون أن يقتلعوا ذكورها ، لصلت بفعل الرياح ، وهذا غاية العلم بشؤون الدنيا ، كما كان في ذروة العلم باللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال بعض المحققين : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان أشد الناس صعودا ، كما كان أشد الناس نزولا ، أي في العلوم العلوية والدنيوية ، هكذا سمعت من حضرة أستاذي العارف الأكبر سيدي الأستاذ مصطفى عبد الخالق الشبراوي ، رضى اللّه عنه ، وأطال عمره .