يخالط ليعلم ، فلا يؤلم ، ولا يظلم ، ويعتزل ويفارق ليسلم .
السابعة عشرة : من عادى النحل وعرض « 1 » له بالمكروه ، وأكثر الحركة والجلبة « 2 » واللجاجة معه ، لسعته وأوجعته ، ومن سالمه ولزم الثبوت لم يتعرض له .
كذلك المؤمن طبعه ، وخلقه ، وسيرته ، من أخفى المنكر عليه وكتم النفاق دونه ، وستر قبائح الأعمال عن رؤيته ، لم يتجسس أثره ، ولم يطلب عثراته ، ومن أظهر ذلك أنكر عليه باللسان وتناوله باليد .
الثامنة عشرة : النحل تراه أبدا يدور حول رياض الزهور ، ويجول في مروج الرياحين ، وعلى شطوط الأنهار ، وعلى أبواب دكاكين الحلوانيين ، وذلك وقت فتوره .
كذلك المؤمن تراه أبدا يدور حول مجالس العلم ، والذكر ، وعلى أبواب العلماء والحكماء والعارفين المنفردين المتزهدين .
التاسعة عشرة : النحل إذا هجم على روضة زهر « 3 » وورد وريحان ، لم ينقطع عن الاختلاف إليها ، والنقل « 4 » عنها ، حتى يغنى الشئ أو يتلف « 5 » هو في طلبه .
كذلك المؤمن إذا تنسم روح نسيم القرب من ربه ، أو وجد حكيما صادقا ، وعالما ناصحا ينصحه في دينه ، أو عارفا روحانيا يخبره عن ربه ، أو فتح له باب عمل صالح ، دام عليه وثبت ، حتى يحول الموت بينه وبين ذلك :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
[ الكهف : 60 ] .
العشرون : النحل إذا كان زمان الربيع والصيف ، نقل [ زاده ] من الخارج إلى الداخل ، وعمر بيته ، وإذا أقبل الشتاء ، وتغير الهواء ، دخل البيت ، فعكف فيه ، وأقبل على إصلاح مرمات عمله .
كذلك المؤمن يدور في الربيع والصيف في طلب قوته ، وكفاية عياله ، مما لا بد منه ، فإذا أقبل الشتاء ، جلس مجالس الذكر والعلم ، ولزم ركب العلماء ، والحكماء ، وعكف في المساجد ، وأقبل على العبادة ، ونظر في حاله ، وسوى مرمات عمله .
هامش
( 1 ) في الأصل : ويعرض .
( 2 ) في الأصل : الجبلة .
( 3 ) في الأصل : زهرة .
( 4 ) في الأصل : والعقل ، والتصحيح على الهامش .
( 5 ) في الأصل : ويتلف .