تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
وأنت معترف بخطيئتك خير لك من أن تبكى وأنت مدل بعملك « 1 » ، اعلم أن صلاة المدل لا ترفع ، فاتق اللّه ، وازهد في الدنيا ، ولا تنافس أهلها فيها ، وكن فيها كالنحلة ، إن أكلت أكلت طيبا ، وإن وضعت وضعت طيبا ، وإن وقعت على عود لم تكسره ، فمن كان مطعمه حلالا ، وكان ذا سخاوة بما أنعم عليه ذو الجلال ، كاف الأذى عن النساء والرجال ، مخلصا للّه بالأعمال ، فهو المؤمن المضروب مثله بالنحلة . وعن علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، قال : مثل المؤمن في الناس ، كمثل النحلة في الطير ، كل أجناس الطير يستضعفها ، ولو علموا ما في بطنها [ لبجلوها ] ، فكذلك يا أخي المؤمن ، لو علم الناس ما في بطنه ، وقلبه ، وماهية فضله ، وكيفية مرتبته عند ربه ، للحسوه بألسنتهم ، وحملوه على أكفهم « 2 » ، ومهدوا له في حجورهم ، واشتروا صحبته « 3 » بأموالهم ، وآثروه على نفوسهم ، ولكن خفى ذلك منه عليهم بإخفاء اللّه ، حكمة منه غامضة ، وحجة بالغة ،
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
[ الأنفال : 42 ] . والمؤمن المجتمع فيه ما في النحلة من لطائف الخصال ، يكون اسمه آدميا ، ووصفه روحانيا ، وخلقه ربانيا ، وطبعه نورانيا « 4 » ، وحواسه ملكوتية ، وأنفاسه جلالية ، ومواجيده وإشاراته عربية « 5 » ،
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ البقرة : 105 ] . ولأبى بكر الصديق ، رضى اللّه عنه ، في مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم :
إذا أردت شريف القوم كلهم * فانظر إلى ملك في زي مسكين ذاك الذي كملت في الناس سؤدده * فصار يصلح للدنيا وللدين
* * *
هامش
( 1 ) إنما جاء هذا الاختلاف في مشارب الصوفية لتعدد الطرق بما يناسب الميول ، والفطر ، والأفهام ، فمن ثم كان لكل فريق طريق من طرق التصوف ، فالمحاسبي يناسب عموم الصوفية ، وابن الحاج يناسب الفقهاء في مدخله ، والمحدثون الحكماء يناسبهم تصوف الشيخ الأكبر ، والعابدون يناسبهم ما كتبه الإمام الغزالي ، وللمرتاضين رسالة القشيري ، وللنساك قوت القلوب والأحياء ، وللمناطقة كتب ابن سبعين ، وللطبائعيين كتب البونى وأسراره ، وللأصوليين تحقيقات الإمام الشاذلي ، وللروحانيين كتب سيدي مصطفى البكري ، وللعلماء عموما مجلس سيدي عبد القادر الجيلى ، رضى اللّه عنهم . ( 2 ) في الأصل : على أكفتهم . ( 3 ) في الأصل : صحبتهم . ( 4 ) في الأصل : آدمي ، روحاني ، رباني ، نوراني . ( 5 ) في الأصل : حواسه ملكوتيا ، وأنفساه جلالي ، ومواجيده وإشارته عربى .