ولها معان غير قليلة ، وتحت أمثاله أبحر من العلوم والحكم ، وليس معنى المعنى المضروب للمؤمنين بهذه المخلوقات من المحبوبات مثل النحلة والنملة وغيرهما ، واقع على الخلقة ، والصورة ، والجنس ، والجوهر « 1 » ، إنما هو واقع على الصنائع ، والسيرة ، والعمل ، والوصف ، ووجود المنافع .
بيان ثاني عشر : غير ما ذكرناه في تفسير مثل المؤمن المشبه بالنحل ، فمثل المؤمن الموقن ، العارف ، المخلص في جنس الناس ، كمثل النحلة في جنس الطير ، ثم استخراج فوائد التمثيل يحتاج إلى مزيد فهم ، وفطنة ، وتذكير ، وقد تفكرت في معنى فائدة ضرب الرسول صلى اللّه عليه وسلم مثل المؤمن بالنحلة ، وتدبرت خطاب اللّه عز وجل تفضيله النحلة بالوحي إليها من بين أجناس الطير ، وفي ذوات الأجنحة من يضارع النحلة بريح جناحه ، وبأكله بمنقاره ، ولم يوح اللّه إليهم ، كما أوحى إلى النحل ، فاستنبطت علم الكتاب ، وفتشت فوائد الخطاب ، واستخرجت منه ما وكله الرب إلى الفهوم والأفكار ، ورده إلى القلوب ، فأودعه غوامض الأسرار ، حيث قال في أجزاء وصف النحل وذكره إياه بالوحي وما يتعلق به :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ النحل : 69 ] .
فحث الرب عباده المخاطبين على التفكير في حال النحل ، ونبههم على وجود العبر والآيات فيه ، وحرضهم على استخراج فوائد العلم والحكمة منه ، وقد وجدت في النحل أربعين خصلة محمودة ، حسنة ، فاضلة ، صالحة ، شريفة ، لطيفة ، وكل ذلك يوجد في المؤمن ، وهو فائدة ضرب المثل ، ومقتضى أمر الرب بالتفكر ، وأنا أفرد كل خصلة من ذلك على حد الاختصار ، ليكون تذكرة للمؤمن الصابر ، وتبصرة للمحب ذي اللب والاعتبار ، وهو من علم القرآن المستودع في باطن الأمثال ، المردود إلى التفكر والاعتبار ، ولا قوة إلا باللّه .
قال : بلغني عن سفيان الثوري ، أنه قال : لقى رجل راهبا ، فقال له : يا راهب ، كيف رأيت دار نشاطك ؟ قال : ما أتت علىّ ساعة إلا وأنا فيها مصل ، وما كنت أحسب أن أحدا يسمع بذكر الجنة والنار تأتى عليه ساعة لا يصلى فيها ، [ قال : ] فكيف أملك ؟ قال : ما رفعت خطوة ، ولا وضعت خطوة ، إلا وأنا أرى أن الموت سيأتي فيما بينهما ، فسأله عن حاله ، فقال : يا راهب ، إني لأسجد فأبكى في سجودى حتى ينبت العشب والبقل من دموعي ، قال له الراهب : إنك إن تضحك
هامش
( 1 ) في الأصل : والجوهرة .