وموسى الكليم ، عليه السلام ، كان أشد في اللّه من الصخرة ، والمؤمن اللين في اللّه ذو معرفة مشوبة بالخوف ، والتعظيم ، والغيرة .
وكان هارون ، عليه السلام ، أحب إلى بني إسرائيل وأقرب إليهم من موسى ، عليه السلام ؛ لرفقه بهم ، وسماحته معهم ، ولينه لهم ، وحسن عبادته ، وترجمته للتوراة ، وكان موسى ، عليه السلام ، أحب إلى اللّه وأكرم عليه من هارون ، ذكره أبو بكر النقاش [ في ] كتاب شفاء الصدور ، المعنى له ، والعبارة لنا .
ومعرفة مراتب الرجال للمعاشرة شديدة ، لا يعرفها « 1 » إلا الرجال ، ومشاهدة درجاتهم في المقامات والأحوال عند ذي « 2 » الجلال أشد وأصعب ، لا يوجد إلا عند السادة الفضال ، والجبابرة الأبدال « 3 » .
المثل الحادي عشر : روينا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثل المؤمن كالنعجة ، ينتشر صوفها ، ويحلب درها ، ويمشش « 4 » عظمها » .
وهذه صفة المؤمن السلامي ، السخى بماله عند السؤال ، كالشاة لا ترسل لبنها « 5 » حتى يجلس تحتها « 6 » الحالب فيحلب ، كذلك المؤمن المتواسع في حال البر ، الوصول مع إخوانه ، لا يتحرك حتى يحرك ، ولا يصبح حتى يتعرض ، و [ لا ] يسعى في الفساد إذا حرك ، مستغن عن قائد وراع ، وحافظ ليس مثله ، كالنحلة لا حاجة لها إلى هذه الأسباب من غير جنسها ، ففكر « 7 » .
يحتمل عن الناس الأذى والضرر ، ويوصل إليهم النفع والخير ، كالنعجة تأكل الشوك والهشيم ، وتطعم اللبن ، والزبد ، والسمن ، واللحم ، وعلى هذه الصفة طائفة من المؤمنين ، فقد ضرب النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الأمثال للمؤمنين ، وفي مثله فوائد كثيرة ،
هامش
( 1 ) في الأصل : شديد لا يعرفه .
( 2 ) في الأصل : ذوى الجلال .
( 3 ) في تعريفات الجرجاني وتعريفات ابن عربى ، أن الأبدال هم رجال يقومون برحلات روحية وجسدية إلى أماكن بعيدة ، ويتركون جثة شبيهة بهم مكانهم ، بحيث لا يشك أحد في أنهم في مكانهم لم ينتقلوا منه ، وقد ألف السيوطي رسالة في إثبات وجودهم .
( 4 ) أي يمضع عظمها ، والمشاش رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها .
( 5 ) في الأصل : لبنة .
( 6 ) في الأصل : تحته .
( 7 ) أي أن النحلة تسعى وتصنع العسل من غير دافع لها من الخارج ، بخلاف النعجة ، فإنه لا بد من دفعها لإنزال اللبن ، دفعا من الخارج ، والفرق بين المؤمن الشبيه بالنحلة والشبيه بالنعجة ، واضح بعد هذا التفسير .