وهذه أيضا صفة المبتلى بالمصائب والمحن ، المقصود بالحسرات والأمراض ، غير أنه أشد مخاطرة من الأول ، وأقرب إلى الدمار والهلاك ؛ لأن الخامة من الزرع مع ميلها يمينا وشمالا بهبوب الريح ، آمن من الكسر والقطع ، وربما تندس في الوحل عند شدة العصوف ولا تنكسر ، والسنبلة على المخاطرة من الكسر ، والمؤمن الفقير يخرج صحيحا سليما من الابتلاء ، مع أجر وثواب وفضل ؛ لأنه خفيف من المال ، صاف ، لين في الحال ، كالخامة في لينها ، ولطفاتها ، وخفتها « 1 » ، والمؤمن الغنى ثقيل بالمال ، كدر في الحال ، كسنبلة في المعنى يضربه البلاء ما لا يضر [ ب ] الفقير « 2 » ، وكلاهما مراد بالخير والأجر ؛ لأن البلاء هدايا الرب جل جلاله ، لا ينفده إلا إلى من يحبه ، ويريد صلاحه وصفاه .
عن أنس بن مالك ، رضى اللّه عنه ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « مثل المؤمن مثل السنبلة يميل أحيانا ، ويستقيم أحيانا ، ومثل أمتي كمثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره » « 3 » .
المثل الرابع : روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثل المؤمن كالنملة ، تجمع في صيفها لشتائها » .
وهذه صفة المؤمن الضعيف اليقين ، الكسوب ، الجموع ، خشية الحاجة والجوع ، يؤمن بالرازق أنه لا يمنعه ما قدر وقسم ، ولكن لا يطمئن قلبه إلا بالحركة في طلب المضمون ، ولا يتقو بيقينه إلا بالحراب ، والكيس « 4 » ، والكرز ، وهذا الشخص
هامش
( 1 ) في الأصل الضمير العائد على الخامة مذكر في الجملة كلها ، وهو خطأ .
( 2 ) من أجود ما كتب ، إن لم يكن أجوده على الإطلاق ، في الفرق بين المؤمن المتقلل من المال ، والمستكثر منه . الباب الثاني من كتاب النصائح الدينية للحارث بن أسد المحاسبي ، مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ( 1416 ) تصوف ، والمعركة الفكرية في هذا الباب قديمة ، بدأت بوادرها في عهد الخليفة الثاني ، رضى اللّه عنه ، وظهرت بوضوح في عهد الخليفة الثالث ، رضى اللّه عنه ، وتبدو حدة المعركة من قصة أبي ذر الغفاري ، حينما بلغه أن كعب الأحبار رد على من خافوا على عبد الرحمن بن عوف فيما ترك ، بقوله : كسب طيبا ، وأنفق طيبا ، ولما بلغ ذلك أبا ذر ، خرج مغضبا ، فوجد في طريقه لحي بعير عظيم فأخذه ، وقصد كعبا ليؤديه ، فهرب كعب إلى دار عثمان ، واختبأ خلفه ، ودخل عليه أبو ذر وشتمه ، وروى له حديثا عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ينفر فيه من الاستكثار من المال .
( 3 ) هذا تبشير من النبي صلى اللّه عليه وسلم للمسلمين في عصرنا ، فقد أبهم الخير بين أول الأمة وآخرها .
( 4 ) قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[ الذاريات : 58 ] ،فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ[ الذاريات : 23 ] ، وأكد اللّه ذلك للإنسان بحرف التوكيد والضمير ، وبالقسم ، واللام ، ليطمئن إلى وعد اللّه ، وقال قبل ذلك :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] ، فشك في المضمون له من الرزق ، وسعى فيه بنفسه ، -