وقد ضرب الرسول صلى اللّه عليه وسلم مثلا للمؤمنين في مقاماتهم اثنى عشر مثلا في أحاديث متفرقة ، كل مثل هو وصف طائفة [ من ] المؤمنين .
المثل الأول : روى عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثل المؤمن كمثل النحلة ، أكلت طيبا ، وصنعت طيبا ، ووقعت على عود فلم تكسره » .
قال أبو طالب المكي ، رحمه اللّه : فهذه صفة المؤمن المطعم غير الطيب ، المطعم بنفسه ، النافع للأمة ، المعطى ماله من غير مسألة ، الخفيف المؤنة ، الكاف الأذى عن الجملة ، يحضر في محضر فلا يضر ، ويظن به الظن الحسن ، ويطمع فيه فيصدق ، ويعرف على هذه الصفة طائفة من المؤمنين .
المثل الثاني : روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثل المؤمن ، كمثل الخامة من الزرع ، تميلها الريح مرة هكذا ، ومرة هكذا » .
والخامة من الزرع ، هو الرطب الأخضر الناعم ، وهذه صفة المؤمن المبتلى ، المقصود بالمحن والمصائب في الدنيا ، يأتيه البلاء من كل مكان ، فيميل بالجذع والشكوى أحيانا ، ويرجع إلى الاستقامة ، فيستوى قائما بعد الميل والاعوجاج ، وهو الصابر في البلاء ، [ ال ] مستسلم للحكم والقضاء ، يجزع ثم يرجع إلى الصبر والتجلد سريعا ، ويشكوا في الأحيان ، ثم يندم ويستغفر ، ويظهر حال ضره وبلائه في الأوقات للناس ، ثم يستحى من اللّه ويعتذر ، ومع ذلك لا يزيده الابتلاء إلا قربة إلى اللّه تعالى ، وعلى هذه الصفة طائفة من المؤمنين .
المثل الثالث : روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثل المؤمن كمثل السنبلة ، تقلبها الريح يمينا وشمالا » .
هامش
- ويرى الشيخ زروق في قواعده ، أن التعرف على أحوال الرجال يستعان عليه بدراسة ما غلب على طباع بلادهم من الحق ، أو الباطل ، فإن أردت أن تعرف صالح بلد ، فانظر لباطل أهلها ، هل هو برئ منه أو لا ، فإن كان بريئا ، فهو ذاك ، وإلا فلا عبرة به ، وضرب لذلك أمثلة ، فقرر في أهل المغرب الأقصى السخاء ، وحسن الخلق ، وكذلك أهل الأندلس ، وفي أهل المشرق الغيرة للّه ، وسلامة الصدر ، وقد قرر الرسول صلى اللّه عليه وسلم هذا الأصل وضرب له أمثلة ، فقال في أهل نجد : « الفتنة ها هنا » ، وقال عن الفرس : « لو كان الإيمان بالثريا ، لأدركه رجال منهم » ، وعن أهل اليمن : « إنهم ذوو أفئدة » ، وعن أهل المدينة ، إلى غير ذلك . راجع ( 51 ، 52 ) القواعد .
ومعنى المؤمن الكامل في أصح الآراء ، هو الذي يؤازر إيمانه بالعمل الصالح دائما ، ومعنى المؤمن الناقص ، الذي لا نصيب له من الزوائد ، وشبهوا نقص الإيمان وكماله ، بالشجرة الذابلة ، فإذا أرواها الماء أينعت ، والفرق بين المؤمن الحاصل والمحصول ، كالفرق بين الفاعل والمفعول ، فالحاصل حصل الإيمان واكتسبه ، والمحصول سبقت له الحسنى بالإيمان حصوله اللّه في قلبه .