أطوف حول بيت اللّه الحرام ، فلما إن وصلت إليه ، رأيت البيت يطوف حولى « 1 » .
وبهذه الرواية أنه قيل له : بلغنا أنك تمشى على الماء ، فقال : سمكة تباع بدانق تمشى على الماء ، ابن آدم أكرم على اللّه من السمك ، فقيل : بلغنا أنك تمشى في الهواء ، فقال :
عصفور يباع بدانق يطير في الهواء ، والمؤمن أكرم على اللّه من العصفور ، قيل له : بلغنا أنك تأتى مكة بين الأذان والإقامة ، قال : هذا فعل بعض الجن ، والمؤمن أكرم على اللّه [ من الجن ] ، وقيل له : يا أبا يزيد ، فمن الرجل الذي حظه من اللّه هو « 2 » ؟ .
وبهذا الإسناد أنه قال : طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا فضيلة نوع من الغرور ، وارتجاه الرحمة من غير طاعة حمق وجهالة ، وفي التوراة :
يا ابن آدم ، الغنى في القناعة ، والسلامة في العزلة ، والحرية في رفض الشهوة ، والتمتع في أيام طويلة يوجد في الصبر على أيام قليلة .
وبهذا الإسناد عن أبي يزيد « 3 » : وقد وصلت أضرب بالدنيا وجه عشاقها ، وبالآخرة وجه طلابها ، وأطلب من بينهم المولى .
وعنه بروايات عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إني لأرجو ألا « 4 » يضر مع الإيمان عمل ، كما لا ينفع مع الشرك عمل .
وأوحى اللّه إلى داود ، عليه السلام : إني ما أتحت كنه معرفتي لخليلي ، ولا لروحى ، فلو قالا غير ذلك سليا كل صالح مننت به عليهما .
قال : وأوحى اللّه تعالى إلى عيسى ، عليه السلام : أن يا عيسى ، اجعل طعامك جوعا ، وشرابك ظمأ ، واسكن قلبك السماء ، اجعل كلامك للقلوب دواء .
قال : وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عن اللّه تعالى : ما حملتني سمواتى ، ولا أرضى ، ولا عرشي ، ولا كرسي ، وإنما احتملنى قلب عبدي المؤمن ، الوادع ، الخاشع ، لولا أنى
هامش
( 1 ) طوافه حول البيت قبل أن يصل إليه ، كان بروحه وتوجهه الكلى نحوه ، فلما قرب منه كرمه البيت وطاف حوله ، وهو مشهد يراه هو ، ولا يراه غيره ، رؤيته له في مقام الوهم ، وهو مقام شريف .
( 2 ) أي ما دمت تنفى عن نفسك كل هذا ، فحظك من اللّه « هو » ، ومن هذا الرجل ؟ فالاستفهام للتعظيم ، وعلى هذا يكون الكلام قد انتهى ، ويجوز أن يكون سؤالا سقطت الإجابة عنه في الأصل ، وهذا يدل على زهد الصوفية في الخوارق والكرامات ، وعدم اعتبارها في السلوك ؛ لأنها قد تختلط ، فتظهر على يد غير المؤمن ، ولأنها ليست غاية السلوك عندهم .
( 3 ) في الأصل : هنا كلمة مطموسة وأمامها في الهامش كلمة تنظر .
( 4 ) في الأصل : لمن لا يضر .