أصبحت فارقني الدم مكان البول « 1 » .
قال : وحدثني أبى بهذا الإسناد عن أبي يزيد ، أنه قال : طلبت عشر سنين [ أن ] أصلى ركعتين لأكون فيه [ ما ] ، فمكثت بعد ذلك عشرين أطلبنى فلا أجدني « 2 » .
وبهذا الإسناد عن أبي يزيد ، أنه قال : لم أذكر منذ أربعين سنة أنى استندت إلى حائط مسجد ، فقيل له : لم لا تستند ؟ وفي ذلك رخصة ؟ فقال : سمعت اللّه يقول :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ، 8 ] « 3 » .
وحدثني بهذا الإسناد عن أبي يزيد أنه قال : غصت في بحور الأعمال أربعين سنة ، فخفت ، فإذا أنا مرتبط بزنار « 4 » .
وعن أبي موسى ، عن أبي جعفر النيسابوري ، عن أبي يزيد ، أنه قال : عملت في المجاهدة ثلاثين سنة ، فما وجدت شيئا أشد من العلم ، فقيل له : أليس بالعلم جاهدت ؟ فقال : نعم ، ولكن كان يختلف على باختلاف العلماء ، ثم قال : اختلاف العلماء بركة في كل مسألة إلا في التوحيد .
وقال : وحدثني أبو موسى ، قال : حدثني أبو حفص ، عن أبي يزيد ، قال : كنت
هامش
( 1 ) ليس هذا ببعيد ، فإنه تعرض للبرد مدة طويلة ، إن لم يكن ذلك من اضطراب الأجهزة الجسدية ، لقوة الجهد الذي يبذل في ربط القلب باللسان ، فليس ذلك سهلا كما يتوهم بعض البسطاء من السطحيين ، حيث أنهم يرددون أنهم يستطيعون ذلك ، وإنما هو تدريب طويل يقوم على النظام الدقيق الذي لا يقل دقة عن دقة العلاج النفسي الناجح إن لم يفته بكثير .
( 2 ) وذلك لأنه بربه ، فلم يستطيع أن يعود إلى مألوف الخلق ، فالثابت في التصوف ذوقا وسلوكا ، أن لذة المعرفة لا تعدلها لذة في الوجود ، وأن تلك اللذة مما لا يستطيع التعبير عنه بدقة ، وكل ما قالوه في وصفها لو علم الملوك ما نحن عليه من لذة العلم لقاتلونا عليها بالسيوف ، فهي من المسائل التي تذاق ممن له ذوق صوفي بالذات ، ولا يمكن الحديث عنها لقصور اللغة .
( 3 ) وهو يخشى أن يكون استناده إلى جدار المسجد تعديا لحدود اللّه ، وسوء أدب في بيته وحضرته .
( 4 ) الزنار منطقة للنصارى ، ولا يقصد أنه صار نصرانيا ، وإنما يقصد أنه لم يحس بتقدم كبير ، وهو تعبير شاعرى معروف في الأدب ، والمعنى الدقيق لهذا التعبير أن النصرانية دعت إلى التجرد حقيقة ، ولكن كان ذلك التجرد طلبا لنوال ، هو الدخول في ملكوت اللّه ، فصارت كل أعمالهم أعمال أجراء عند اللّه ، فمهما غاص العارف في بحور الأعمال ، فهو لا زال كأهل الزنار ، في الصعود الروحي ودوافعه ، لا في العقيدة والإيمان ، وليس في ذلك نهى عن الأعمال كما يتبادر إلى أذهان المتسرعين ، بل فيه أمر بنسيان الأعمال الخيرية كلها ، وعدم التعويل على أي نفع يعود منها ، وأولى بالمتسرعين في الأحكام ، أن يغيروا أحكامهم ويقرروا أن هذا النوع من الناس أصلح الخلق لبناء الحياة على الأرض ، حيث يتطلب العمل البشرى نسيان الذات والأعمال .