إلى أبى يزيد ، فقال : أريد أن أجلس معك في مسجدك الذي أنت فيه ، فقال : لا تطيق ذلك ، فقال : إذا رأيت أن توسع في ذلك ، فأذن له ، فجلس يوما ، فلم يطعم وصبر ، فلما كان في اليوم الثاني ، قال : يا أستاذ نريد القوت ؟ قال : يا غلام ، القوت عندنا اللّه ، قال :
يا أستاذ ، لا بد مما لا بد منه ، قال : يا غلام ، فلابد لنا من اللّه ، قال : يا أستاذ ، أريد شيئا يقيم جسمي في طاعة اللّه ، قال : يا غلام ، إن الأجسام لا تقوم إلا باللّه « 1 » .
وروى أبو جعفر ، عن أبي موسى الدؤلي ، أنه قال : كان مع أبي يزيد تلميذ له عشرون سنة ، ما من يوم إلا يقول له : ما اسمك ؟ فعظم ذلك على الغلام ، فقال له في بعض الأيام : يا أستاذ ، أنا معك منذ عشرين سنة ، ما منها يوم إلا سألتني عن اسمى ، فقال له : يا غلام ، ما أهزأ بك ، ولكن غيب عنى اسم الواحد القديم « 2 » كل محدث معدوم .
قال : وحدثني أبى بهذا الإسناد ، عن أبي موسى ، خادم أبى يزيد ، أنه خرج ذات ليلة إلى رباط « 3 » بقرب بسطام ، يحضر « 4 » فيه الصالحون كل ليلة جمعة « 5 » ، فلما جاء وجدهم على الطعام ، فقالوا له : هلم إلى طعامنا ، فقال : حتى أصعد إلى سور الرباط أولا ، وأكبر تكبيرة واحدة ، فقالوا له : إنك لا تعاشر الناس ، فصعد السور ، وبقي إلى طلوع الفجر لم يكبر ، ثم كبر تكبيرة واحدة ، فقيل له في ذلك ، فقال : لم يوافق القلب اللسان ، فلم أزل أضرب نفسي ، أكره أن أذكره باللسان والقلب غائب ، فلما
هامش
( 1 ) مشرب عجيب من مشارب كبار الصوفية ، له في الكون وجود ، ولكنه قليل ، يصبر أهله على الجوع أياما متتالية ، وقد أوضح الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربى في كتابه العبادلة في الحديث عن عبد اللّه بن عبد الواسع بن معروف ، مخطوط تحت الطبع لنا ، قال : إنها وراثة نبوية ؛ لأن العارف يأكل في نومه ، فالنبي يبيت جائعا ويستيقظ من إطعام اللّه له ، وهو شبعان ، والولي يستيقظ وهو جيعان ، فإذا صدقت رؤية الولي ، ووجد الشبع بعد اليقظة ، فذلك من أجزاء النبوة التي تكون للمؤمنين ، لحديث الرسول عن الرؤيا الصادقة ، وأنها جزء من أجزاء النبوة ، وقوله :
« من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كنفيه » ، ثم قال الشيخ الأكبر : وقد رأينا هذا بأنفسنا ، أكلنا وأصبحنا وعلينا رائحة أثر الطعام وشبعنا ، وهذه وراثة نبوية ، فهي للنبوة الأولى . راجع أيضا كتاب الخلوة للشيخ الأكبر ، مخطوط .
( 2 ) في الأصل : واسم .
( 3 ) الرباط مكان يسكنه الصوفية ، وينقطعون فيه للجهاد والعمل .
( 4 ) في الأصل : حضر .
( 5 ) في الأصل : الجمعة .