تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
العقار كذا وكذا ، ومن الورثة كذا وكذا ؟ فقال أبو يزيد : ما تقولون في رجل خلف اللّه تعالى ؟ فنظروا وبكوا « 1 » . وبهذا الإسناد أنه سئل أبو يزيد : متى يكون الرجل عاملا على معنى العبودية ؟ فقال : إذا لم يكن له إرادة ، فقلت : وكيف يكون ذلك ؟ قال : تكون إرادته وتمنيه وشهوته داخلة في [ إرادة ] محبوبه ، ولا تتقدم له إرادة في شئ أبدا ، حتى يعلم إرادة اللّه عز وجل ومحبته فيه . وبهذا الإسناد أنه قال : كنت عند أبي يزيد ، فذكر عنده الجاه والنفس ، فقال : يا أبا موسى ، إن المؤمن له نفس « 2 » ، ثم قرأ :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] ، فمن بايع نفسه ، فكيف يكون له نفس ؟ . وعن أبي يزيد بالإسناد الذي تقدم أنه قال : من زهد في الدنيا فقد نبه عن قدرها من قلبه « 3 » ، إنما تشغل القلوب لمولى القلوب فقط ، أي لا يشتغل بتكلف الزهد فيها ، فإنه لا شئ . وروى عنه أنه قال : أول مقام التوحيد ، أن يصل العلم قائلا ومستمعا . قال أبو موسى : وحدثني أبو « 4 » محمد بن عيسى بهذا الإسناد ، عن أبي يزيد ، أنه سئل عن اسم اللّه الأعظم ، فقال : في قولك : لا إله إلا هو ، وأنت لا تكون هناك « 5 » .
هامش
( 1 ) أي أن البسطامي وجد قوما مشغولين بمسائل الفرائض والمواريث ، فعرض عليهم طريق اللّه فبكوا ، وليس المراد كذلك ، إن الصوفي ينهى عن دراسة الشريعة ، كما يدعى ذلك بعض السطحيين من الدارسين ، بل إن مذهب الصوفية يفرض على مريديه أن يعلموا ما تصح به الأركان الخمسة ، وما يظهر الحلال من الحرام ، بوعد أحكام هذه الآلة التي يجب استعمالها في الحال في تصحيح الأعمال للّه ، ثم يرقى بعد ذلك إلى مرتبة المعرفة ، وحيث علمنا الفرائض ، فلا جدوى من فرض مسائل للإجابة عنها . ( 2 ) يريد الإمام البسطامي ، رضى اللّه عنه ، أن يقول : إن من هو في درجة الإيمان من الناس ، لا يزال مع نفسه ؛ لأن الشراء وقع على النفس ، التي هي مع المؤمنين ، فمن أراد أن يبيع نفسه بثمنها الذي قرره المولى الكريم ، ترقى إلى درجة فوق الإيمان ، وهي الإحسان ، فإذا باع المؤمن نفسه ، وحظى بنعيم المشاهدة ، فكيف يكون له نفس بعد ذلك ، إلا إن كان من الأشقياء في الأزل . ( 3 ) لأنه أقام للدنيا وزنا يستحق الزهد فيه ، فالزاهد الحقيقي في الدنيا هو الذي ينسى زهده ، حتى يصير له ملكة لا يشعر بها . ( 4 ) في الأصل : أبى . ( 5 ) أي بالفناء عن اللفظ والمعنى والحس كله ، وأصحاب الروح والسكون معها ، والعمق بها في مناطق الاستلهام العليا .