تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وعنه بالإسناد الذي تقدم ، أنه قال : كان يعظ نفسه فيصيح عليها : يا مأوى كل سوء ، المرأة إذا حاضت طهرت بثلاثة أيام ، وأكثره عشرة أيام ، وأنت يا نفسي قاعدة منى ثلاثين سنة بعد ما طهرت فمتى تطهرين « 1 » ؟ إن وقوفك بين يدي الطاهر ينبغي أن تكوني [ لأجله ] طاهرة . وعن أبي يزيد بالإسناد المتقدم ، أنه جاء رجل ، فقال : بلغني أن عندك اسم اللّه الأعظم ، فأحب أن تعلمني ، فقال له أبو يزيد : مه ، يا غافل ، اسم اللّه الأعظم ليس له حد محدود ، ولكن فرغ قلبك لوحدانيته ، فإذا كنت كذلك فارفع أي اسم شئت « 2 » . وسئل مرة أخرى عن اسم اللّه الأعظم ، فقال : تسألني عن اسم اللّه الأعظم ، فخبرني عن الأصغر ، ثم هاج ، وقال : ليس له اسم صغير ، أسماؤه كلها عظام ، ولكن يحتاج إلى سر صاف . وعنه بالإسناد المتقدم أن رجلا من خراسان جاء إلى عنده ، فقال : أريد الحج ، فأوصني ، فقال له : انظر إلى السماء ، فنظر الرجل ، فقال له أبو يزيد : أتدري من خلق هذا ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم ، فقال أبو يزيد : هذه السماء وصيتي لك من ها هنا إلى حيث مضيت ، اعلم أن من خلقها مطلع عليك حيثما كنت ، وعليه حسابك ، يعلم ما في قلبك . وبهذا الإسناد عن أبي يزيد أنه سئل ، فقيل له : كيف عرفت اللّه ؟ فقال للسائل : لو عرفت اللّه ما كنت تسألني عنه « 3 » ، ومن لم يعرف اللّه ، فلا يعرف قول العارف « 4 » ،
هامش
( 1 ) في الأصل : تطهري . ( 2 ) كثير من المريدين يتناقلون عن السادة المرشدين أنهم يعرفون اسم اللّه الأعظم ، الذي إذا دعى به أجاب ، وبعض الصوفية ممن لم يصلوا إلى درجة العظام ذكروا أسماء مفردة ، أو مركبة ، أو جملا ، وقالوا : إن فيها اسم اللّه الأعظم ، والحق ما قاله الإمام البسطامي ، من أنه ليس هناك اسم أعظم وأصغر ، وإنما الاسم الأعظم من يكون من حيث تفريع القلب والتجرد للّه بالكل ، وإحكام الجمعية على هذا التوجه ، فكل اسم حينئذ يدعو به الداعي ، يكون أعظم ؛ لأنه سيجاب به الدعاء بمجرد التوجه . ( 3 ) أي طريق معرفة اللّه . ( 4 ) لأن معرفة اللّه مرحلة من مراحل الإدراك ، خارجة عن حدود الوعي العقلي ، والعارف لا يعبر عن حقيقة مشاهداته الروحية ، وإنما يحاول تقريب المعنى بطريق الرمز والإيحاء والموسيقى للألفاظ ، فهم أول من ابتكر الآداب الرمزية ابتكروا تعبيرات لا يفهم معناها ، ووقعها الإيحائى إلا هم ، وكثير منهم لا يفهمون المشاهد إلا من هذا الطريق ، طريق الإيحاء التوقيعى لآدابهم ، وكلما ارتفع العارف في المقام ، دق في أعين العوام ، لعدم فهمهم لمعاني ما يقولون ، وينسبونهم إلى أشياء هم منها براء ، فلا يفهم كلام العارف إلا العارف .
علم القلوب — صفحة 216 | أبي طالب المكي / عبد القادر احمد عطا