الكلام ، فقالوا : إنا سمعنا كلام ذي النون وغيره من المشايخ ، فلما سمعنا كلامك تركنا كلامهم ، فقال أبو يزيد : لأن القوم كانوا يتكلمون من بحر صفاء العمل ، وأنا أتكلم من بحر صفاء المنة « 1 » ، الناس يتكلمون ممزوجا وأنا أتكلم صرفا ، كم بين [ من ] يقولون : أنا وأنت ، وبين [ من ] يقولون : أنت أنت « 2 » .
وبهذا الإسناد عنه أنه سئل عن السنة والفريضة ، فقال : السنة ترك الدنيا ، والفريضة صحبة المولى « 3 » والسنة على ترك الدنيا .
وبهذا الإسناد عنه أنه سئل عن الصوفي ، فقال : هو الذي يأخذ كتاب اللّه بيمينه ، وسنة رسوله بشماله ، وينظر بإحدى عينيه إلى الجنة ، وبالأخرى إلى النار « 4 » ، ويتزر بالدنيا ، ويرتدى الآخرة « 5 » ، ويلبى من بينهما المولى : لبيك اللهم لبيك .
هامش
( 1 ) كيف ذلك ؟ ! راجع أقوال ذو النون في هذا الكتاب ، تدرك إنه يشهد المنة كما يشهدها أبو يزيد ، رضى اللّه عنهما ، وذو النون صاحب مدرسة خاصة في التصوف في مصر ، هي مدرسة العمل الروحي ، وشهد له الكل بالكمال ، ولعله يقصد غير ذي النون بهذا القول .
( 2 ) الصوفي الكامل لا يقول : أنا ، بل تعتبر الأنا ، عنده شركا خفيا . راجع خمرة الحان للنابلسى .
ومعنى التكلم من بحر صفاء العمل ، التكلم عن الأحوال والمقامات الناتجة من العمل ، مما يجده السالك في روحه ونفسه من هدوء ، وقبض ، وبسط ، ووجد ، وغلبة ، وعلم ، ومعرفة ، ومعنى التكلم من بحر صفاء المنة ، التكلم بما يتلقاه السالك من ربه تعليما منه تعالى من أجل تقوى العبد في الوقت الذي ينسى فيه العابد نفسه وعمله ، ويتوجه إليه طالبا منه الإنعام عليه ، معتقدا أنه ليس صاحب حق في ذلك ، ومعنى الكلام الممزوج العلم الممزوج بالنفس أو بظواهر الوجود ، أما الصرف ، فهو باللّه ، وفي اللّه ، وإلى اللّه .
( 3 ) لا صلة بين معنى السنة والفريضة عند أبي يزيد ، وتأويلهما على هذا الوجه ، وبين تأويلات الباطنية ؛ لأن الباطنية يسقطون المعنى والعبارة ، ويحلون تأويلهم مكان اللفظ ، كما قالوا في الصلاة : هي دوام الحضور مع اللّه ، وأسقطوا الصلاة الشرعية ، وأحلوا هذا التأويل محلها ، فكل حاضر مع ربه لا تجب عليه الصلاة عندهم ، ولكن الصوفي يبقى اللفظ والمعنى ، لغة وشرعا ، ويؤمن بوجود مدلوله ، أو فريضته ، أو ندبه ، ثم يلتمس للفظ إشارات أخرى ووجها آخر من المعنى الإشارى .
( 4 ) أي يكون بين الخوف والرجاء ، لا يغلب أحدهما الآخر ؛ لأن غلبة الخوف يأس ، وغلبة الرجاء إذلال ، وكلاهما مذموم .
( 5 ) ينظر إلى الدنيا ليرى آيات اللّه في الآفاق ، وفي الأنفس ، وينظر إلى الآخرة ليعمل ويجد في العمل ، فالصوفى يقوم بعمران الدنيا والآخرة معا ، ولا يدعو إلى خراب أحدهما سيرا على شريعة الإسلام ، وفي هذا رد على من يتهم الصوفية بتخريب الدنيا ، وإيقاف التقدم والعمران ، هم لا يقولون ذلك ، وإنما يقولون : اعمل في العمران للدنيا ، ولا تجعل في قلبك شيئا من ذلك ، أي أخرجوها من قلوبكم وضعوها في أيديكم .