وبهذا الإسناد عنه أنه قال : رأيت رب العزة في المنام ، فقلت : يا بار حداى « 1 » ، كيف الطريق إليك ؟ فقال : دع نفسك وتعالى .
وبهذا الإسناد أنه قال : الدنيا لأهل الدنيا غرور في غرور ، والآخرة لأهل الآخرة سرور في سرور ، ومحبة اللّه لأهل محبته نور على نور ، والسرور من الدنيا سرور من غرور ، والسرور من الآخرة سرور من سرور ، والسرور من محبة اللّه سرور من نور .
وبهذا الإسناد أن ذا النون المصري أهدى إليه مصلى فلم يقبله ، وقال للرسول :
قل لذي النون : إن هذا يصلح لمثلك لتصل عليه ، قال : فبعث ذو النون بوسادة كان [ ت ] أبلغ في تجريده ، فلما جاءه الرسول ، قال : ارجع إليه ، وقل له : من كان هو ووسادته ، فأي شئ يعمل بوسادتك .
وعن أبي يزيد مرسلا « 2 » ، أنه قال : إذا استولت على العبد حقائق الملك من اللّه عز وجل ، محقه من ذوق طعم الأشياء وهو فيها ، يغيب عنها وهو فيها ، ثم يغيب عن فعله « 3 » ، فيكون غائبا عن الذي حضر ، كما كان غائبا قبل أن يحضر .
وعن أبي يزيد أنه قال الإسناد الذي تقدم : من اختار الدنيا على الآخرة ، يغلب « 4 » جهله عليه ، وفضله ذكره ، ومعصيته طاعته ، ومن اختار الآخرة على الدنيا يغلب « 5 » سكوته كلامه ، وفقره غناه ، وهمه سروره ، ومن اختار رضى المولى على الدارين ، تغلب نفسه الرحمة ، وقلبه المحبة ، وسرّه القربة ، فتصير نفسه مقيدة « 6 » بقيد الخدمة ، وقلبه أسيرا بخوف الفرقة ، وسره مستأنسا بأنس الصحبة .
وروى عن أبي يزيد أنه سئل عن التوكل ، فقال : التوكل أن تجد كل ما هممت « 7 » به .
وبالإسناد عنه أنه سئل عن التواضع ، فقيل : متى يكون الرجل متواضعا ؟ قال :
إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالة من شرها ورداءتها ، ولا يرى في الناس لمثله مثلا .
هامش
( 1 ) عبارة فارسية معناها : يا رب .
( 2 ) في الأصل : مرسل .
( 3 ) في الأصل : من فعله .
( 4 ) في الأصل : نقلب .
( 5 ) في الأصل : تقلب ، وهو تحريف .
( 6 ) في الأصل : مقيدا .
( 7 ) هذه نتيجة التوكل وعلامة صدقه ، والتوكل هو التخلص الكلى من أثر الأسباب في القلب ، فيعمل العالم كما أمره اللّه ، ولا يفكر بعد ذلك في نتائج أعماله ، وهنا آفة دقيقة ، وهي أن يدخل العابد في التوكل ليكفيه اللّه ما أهمه ، وهو بذلك خارج من التوكل دون أن يشعر ، أما التجرد ، فهو الخروج من كل سبب ، وهو مذهب قليل من الرواد في التصوف .