رجلا زار أخا له في قرية أخرى ، فأرسل اللّه في مدرجته ملكا ، فقال : أين تريد ؟ قال :
أردت أخا لي في هذه القرية ، قال : هل بينك وبينه رحم تصلها ، أو له عليك نعمة تربها ؟
قال : لا ، إلا إني أحببته في اللّه ، قال : فإني رسول اللّه إليك ، يحبك كما أحببته فيه » .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه جل ذكره : حقت محبتي للمتحابين في » ، ومعناه حقيقة الاستغفار .
يقال : إن عبد الواحد بن زيد سمع رجل يستغفر اللّه ، فقال : أيها الرجل ، هل تدرى ما معنى الاستغفار ؟ قال : لا أعلم ، قال : اعلم أن الاستغفار توبة ، والتوبة اسم واقع لمعان ست :
أولها : الندم على الماضي .
والثاني : ترك العود في الباقي .
والثالث : أداء كل فرض ضيعته فيما بينك وبين اللّه .
والرابع : أداء المظالم في الأعراض « 1 » والأموال .
والخامس : إذابة كل لحم وشحم نبت من حرام حتى يعود العظم والجلد إلى مكانه « 2 » .
والسادس : إذاقة البدن ألم الطاعات ومرارتها كما ذاقت حلاوة المعاصي « 3 » .
فقال الرجل : من يستطيع هذا ؟ قال : إن كان ثوبك جديدا ، فرقعه بالجديد ، وإن كان ثوبك خلقا ، فما ينفع ترقيع خلق بخلق ، والاستغفار هو كالرقعة « 4 » ، وقل مع الاستغفار : اللهم إني استقيلك فأقلنى .
هامش
( 1 ) في الأصل : الأعراض ، وهذا إذا عجز عن رد المظالم في الأموال ، فشرط التوبة أن يرد التائب ما عليه من أموال إلى أصحابها ، فإذا لم يجد استغفر لصاحب الحق ، واللّه كفيل بإرضائه إن صدق استغفاره وتوبته ، أما في الأعراض ، فلابد من طلب العفو من صاحب العرض . وقال بعضهم :
يلزم ذلك صريحا . وقال بعضهم : يلزم ذلك تلويحا لما في التصريح من خطر ، فإذا عجز عن معرفة صاحب العرض استغفر له اللّه ، واللّه كفيل بإرضائه إن صدق استغفاره وتوبته .
( 2 ) ولا يكون ذلك إلا بعمق الندم ، والسهر ، والألم من المعاصي السابقة والحرمان .
( 3 ) ليس في الاستغفار ألم ومرارة إلا إن قصد معناه الحقيقي ، وهو القيام بحق الاستغفار من قيام وصيام وسياحة في سبيل اللّه .
( 4 ) وجه هذه المقارنة بين الثوب والاستغفار : إذا كانت همتك ناهضة صادقة راغبة في حقيقة التوبة والاستغفار ، فإن استغفارك سيكون ناهضا صادقا كالرقعة الجديدة في الثوب الجديد ، وإذا كانت همتك ضعيفة ، ونهوضك ثقيلا ، فهي كالثوب الخلق وما ينتج عنها من استغفار وعبادة كالرقعة الخلقة ، ولن يصلح ترقيع خلق بخلق .