فينبغي أن يكون في فضيلة ترك الأكل أربعة وعشرون حديثا ، فترك ولم يأكل ، وقصد جماعة من الفقراء بعض أهل العلم ، فلما حصلوا في منزله ، أمر أن يقدم إليهم الطعام ، من قبل أن يحضر معهم ، فلما قدم إليهم الطعام ، قام من بينهم رجل ، فقيل له : إلى أين ؟ قال : إنما حاجتي مع صاحب الطعام ، قالوا : اجلس ، فإذا فرغنا جمعنا بينك وبينه ، قال : حاشا أن أجعل بطني ولجة لديني .
الآفة الثانية : يزوره لقبل الرفقة ، والعز ، والسمعة ، والمباهاة . حكى أن فضيل بن عياض ، وسفيان الثوري اجتمعا ، فوعظ أحدهما صاحبه ، فبكى هذا ، وبكى هذا ، فقال الثوري : لأنى أرجوا أنا لم نجلس مجلسا أكثر فتنة من هذا ، قال الفضيل : ألست عهدت إلى أحسن ما عندك فحدثتني به ؟ وعهدت أنا إلى أحسن ما عندي فحدثتك به ؟ فصرنا مرائيين .
الآفة الثالثة : يزوره لقبل المعرفة ، والمنزلة ، حتى يكرمه ، ويعظمه . وقيل : إن جماعة من الصوفية دخلوا على أبى على الروزبارى ، وفيهم شاب لم يعرفه أبو علي ، فقال للقوم :
من أين الشاب ، فإني لا أعرفه ؟ فقال الشاب : وما أنا زرتك لأعرفك ، إنما زرتك إجلالا لمن تقدم [ ت ] معرفتي معه منذ ثلاثين سنة ، قال : فما الاسم ؟ قال : معرفتك باسمي أخاف أن تبطل على ثواب كذا ، فقدم إليه ما محضر عنده [ من ] طعام ، فقام الشاب ، وقال : نهينا أن نخلط الخبيث بالطيب ، ولا تبدلوا الخبيث بالطيب .
الآفة الرابعة : يزور لقبل محمدة الناس ، وقيل : الصادق هو الذي يخفى حسناته كما يخفى غيره سيئاته ، ويكون خوفه على حسناته ألا تقبل منه أشد من خوفه على سيئاته ألا تغفر له .
الآفة الخامسة : يزوره لقبل الأخذ ، يقال : إن الفقراء من أصحاب الشبلي كانوا إذا اتسع وقتهم معه لم يفارقوه ، وإذا ضاق الوقت تفرقوا عنه وتركوه ، فقال يوما :
انظروا إلى هؤلاء السفلة ، أنا أريدهم للّه ، وهم يريدوننى « 1 » للدنيا والنفس ، فبينما هو جالس ، إذ دخل عليه قريب مصرى ومعه مائتا دينار فوضعها « 2 » بين يديه ، وسمع الفقراء بذلك فبادروا إليه ، فلما دخلوا عليه ، فطن لهم ، فقام وأخذ الدنانير ، وجعل يخرج من سكة إلى سكة ، حتى قام على شط الدجلة ، ثم رفعها « 3 » على كفه ، وقال :
هامش
( 1 ) في الأصل : وهو لا يريدنى .
( 2 ) في الأصل : فوضعه .
( 3 ) في الأصل : رفع .