الصمت ، وأفضل عبادتهم النوم » ، وبمعنى ما قيل : « من رضى من اللّه بالقليل من الرزق ، رضى اللّه عنه بالقليل من العمل .
وقال حاتم الأصم : دع الشهوات ، تنج « 1 » من خدمة أهل الدنيا ، ودع اللذات ، تنج من الإثم ، ودع الطمع ، تنج من الغم ، وذلك العبد يسعى في طلب الدنيا بقدر إرسال بطنه في أكل الشهوات ، فيحسب بترك أكله وبتجويعه نفسه متقللا من الدنيا .
وقيل لبعض العارفين : ما الدنيا ؟ قال : الدنيا بطنك ، فبقدر زهد بطنك كذلك زهدك في الدنيا .
النية الرابعة : ينوى بجوعه وجود الراحة في عرضة القيامة غدا ، في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة ، لا يوجد فيه طعام « 2 » ، ولا شراب ، ولا راحة ، ولا سكون . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الناس يحشرون يوم القيامة جياعا ، عطاشا ، وإن أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة » .
وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن استطعت أن يأتيك الموت وبطنك جائع ، وكبدك عطشان ، فافعل ، فإنك تنال بذلك أشرف المنازل ، وتحل مع النبيين ، وتفرح الملائكة بقدوم روحك عليهم » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أخوف ما أخاف عليكم شهوات ما ألقى في بطونكم « 3 » وفروجكم » .
النية الخامسة : ينوى بجوعه تقليل الاختلاف إلى الخلاء ، إذا كان صائما جائعا ، فيحصل له بذلك درجة أهل الصدق ، والحياء ، كما قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه :
« استحيوا من اللّه حق الحياء » ، قالوا : يا رسول اللّه ، [ كيف ] نستحي من اللّه ؟ قال :
« من استحى من اللّه حق الحياء ، فليحفظ البطن وما وعى ، والرأس وما حوى ، وليذكر الموت ، والبلى » . فأخبر صلى اللّه عليه وسلم أن حقيقة الحياء هذه الثلاث خصال ، إحداهن حفظ البطن ، وذلك هو التجويع للّه ، ليقل دخله وخروجه .
وقال مالك بن دينار ، رحمه اللّه : لقد استحييت من ربى من كثرة ما خلقت إلى الخلاء ، حتى تمنيت ليت أن أجل اللّه رزقي حصاة ، فكنت أمصها « 4 » حتى يأتيني الموت .
وقال الحسن في وصف أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن كان أحدهم ليأكل الأكلة ،
هامش
( 1 ) في الأصل : تنجو .
( 2 ) في الأصل : طعاما .
( 3 ) في الأصل : بطونك .
( 4 ) في الأصل : أمصه .