باب النية في التجوع للّه
والجوع من أجل خصال المؤمن ، وأكثرها تبعا ، إذا صح له فيه النية للّه ، وفيه ست نيات مستحبات ، تبلغ العبد إلى رفيع الدرجات .
أولها « 1 » : ينوى بجوعته تذليل النفس وتكسيرها ، وإيثار مخالفتها ؛ لكي يدخل تحت الطاعات ، ويستجيب لأداء أمر جبار السماوات ، فينال به من اللّه الرضا ، ورفيع الدرجات ، كما قال تعالى :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 40 ، 41 ] .
وقال يحيى بن معاذ : لو تشفعت بملائكة « 2 » سبع سماوات ، وبمائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي « 3 » ، وبكل كتاب ، وحكمة ، وولى ، على أن تصالحك النفس في ترك الدنيا والدخول تحت الطاعة لم تجبك ، ولو تشفعت إليها بالجوع لأجابتك وانقادت لك « 4 » .
وقال سهل بن عبد اللّه : واللّه الذي لا إله إلا هو ، ما تحول المتجولون عما يكره اللّه إلى ما يحب اللّه ، إلا بالجوع ، وما صار الصديقون الصديقين إلا بالجوع .
وقال الحجاج بن غرافضة : أتيت طائفة من السياحين بمكة ، فقلت لهم : أخبروني لماذا أمر اللّه أوليائه بتجويع النفوس ؟ قالوا : أما رأيت الدابة الصعبة ، أو البعير الصعب ، يشرد على أهله ، وأنهم لا يقدرون عليه إلا أن يجيعوه « 5 » ، إلا أن العبد إذا أجاع نفسه وأعطشها ، باهى اللّه به الملائكة ، وما من عبد باهى اللّه به في موضع ، إلا وضع على رأسه غدا تاج من نور ، وبعث اللّه ملائكة من نور ، مع نجائب قد حليت بالياقوت الأحمر والأصفر ، وأزمتها اللؤلؤ المنظوم ، ورحالها الزبرجد الأخضر ، يقودها المخلدون ، حتى يوقفوها بحذاء قبر أهل الجوع والعطش في الدنيا ، فيركبون
هامش
( 1 ) في الأصل : أوله .
( 2 ) في الأصل : تشفعت إلى ملائكة سبع سماوات .
( 3 ) لا أدرى سر دقة العدد هكذا من عالم جليل كيحيى الرازي ، وليس وراء مثل ذلك تأويلات مما يجرى على ألسن المريدين من مسائل علم الحرف ، وحساب الجمل .
( 4 ) في الأصل : « لأجابك وانقاد لك » ، وإنما كان الجوع فاعلا في النفس هكذا ؛ لأنه يضعف شهواتها التي تقودها إلى الشر ، وإن كانت تقوى به في أول سلوكها فيه .
( 5 ) في الأصل : يجيعوها .