النية الثانية « 1 » : ينوى موافقة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه في حاله وحالهم ؛ ليكون غدا في زمرتهم ، لقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « من تشبه بقوم فهو منهم » .
وقال علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه : دخلت [ على ] رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرأيته قد انكب على وجهه ، وتحته حصير ، وهو يتلوى من الجوع ، وهو يقول : « بجوعى وعطشى هب لي ذنوب أمتي » .
وقالت [ عائشة ] ، رضى اللّه عنها : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يجوعون من عوز .
وقال أبو هريرة : لقد رأيتني وأنا أصرخ من الجوع بين القبر والمنبر ، حتى يقول الناس : إنه لمجنون ، وما بي من جنون إلا الجوع ، وكان صلى اللّه عليه وسلم ربما يصلى فيتساقط أصحابه من القيام إلى الأرض ؛ لما بهم من الجوع ، فإذا فرغ من صلاته التفت إليهم ، وقال : « لو تعلمون ما لكم عند اللّه لازددتم » .
وعن ابن عباس ، رضى اللّه عنه ، قال : عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلا من الأنصار ، فقال : « هل تشتهى شيئا ؟ » ، قال : نعم خبز بر ، قال : « من كان عنده فليأت به ، فقام رجل ، فجاء بكسرة خبز فأطعمه » .
وقال صلى اللّه عليه وسلم لأبى ذر : « أقل الطعام والكلام ، تكن معي في الجنة كهاتين » ، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن أقربكم منى مجلسا يوم القيامة ، من طال جوعه ، وعطشه ، وحزنه في الدنيا » .
ودخل أبو هريرة ، رضى اللّه عنه ، وابن مسعود في خمسة من الصحابة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد مسهم الجوع ، فقالوا : أيا رسول اللّه ، هل من خبز ؟ فإنا جائعون ، فلم يجد لهم إلا سويق شعير ، فأكلوه ، فلم يقع منهم موقعا ، فقالوا : يا رسول اللّه ، حتى متى نحن في المجاعة ؟ فقال : « لن تزكوا فيها « 2 » ، ولكن اتقوا اللّه ، وأحدثوا الشكر ، فإني لم أجد قوما يدخلون الجنة بغير حساب إلا الصابرين » .
النية الثالثة : ينوى بجوعه قلة التزود من عرض الدنيا ، فيكون بمعنى ما قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان ، أفضل درعهم الجوع ، وأفضل علومهم
هامش
( 1 ) في الأصل : السادسة .
( 2 ) أي ليس الجوع نفسه يزكيكم ، بل إن توابع الجوع من الصبر ، والتقوى ، هي التي تزكى النفس وتطهرها .