باب نية الاختلاف في المساجد
والاختلاف إلى المساجد هو من فواضل أعمال المتقين ، وبه أظهر اللّه إيمان المؤمنين ، وينبغي للعبد المؤمن إذا خرج من منزله يريد أن يدخل المسجد ، أن يحصل له ثمان نيات مستحبات ؛ ليكتب له بذلك الفضل العظيم ، وينال به غدا من الثواب الجسيم ، فإن « الأعمال بالنيات » ، و « لكل امرئ ما نوى » ،
وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
[ هود : 3 ] .
أولها « 1 » : ينوى زيارة الجليل جل جلاله في بيته ؛ لأن المسجد بيت اللّه ، وأنت عبد اللّه ، وإذا أراد العبد صاحب البيت ليلتقى معه ، قصده إلى بيته ، وطلبه هناك ، وقد أخبرك الرسول صلى اللّه عليه وسلم بفضل ذلك ، فقال في حديث سلمان : « ما من مسلم توضأ فأحسن وضوءه ، ثم أتى مسجدا من مساجد اللّه ، إلا كان زائرا للّه ، وحق على المزور أن يكرم الزائر ، ولو أن عبدا مثلك عاملته بالقبيح من فعلك ، ثم قصدته إلى بيته معتذرا إليه لأكرمك وقربك وعفا عنك ، ولم يرض لك [ الجفاء ] عند ذلك ، فكيف باللّه العظيم وهو أكرم الأكرمين » « 2 » ، وينبغي [ أن ] يتعين « 3 » أن مضيه إلى بيت ربه هو بتوفيق اللّه وعنايته ، ولولا أن اللّه يريد بهذا العبد الكرامة والألفة ، لما كان يوفقه لزيارته في بيته .
وقد جاء عن الموفق الزاهد حكاية لطيفة في معنى هذا القول : لما تم لي ستون حجة ، قعدت بحذاء الميزاب في المسجد الحرام ، [ و ] جعلت أتفكر وأقول : إلى كم أتردد إلى هذا البيت ؟ فغلبت عيناي ، فإذا قائل يقول : يا موفق ، لو كان لك بيت تجمع فيه أضيافك ، هل كنت تدعو إلا من كنت تحبه ويحبك ؟ فسرى عنى ما كنت أجده .
وعن ابن عمر ، رضى اللّه عنه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا دخل المسلم المسجد ، فقال : بسم اللّه وباللّه ، والصلاة والسلام على رسول اللّه ، وعليه السلام ورحمة اللّه ، قال له ملكاه : وأنت فصلى اللّه عليك ، قد جئت بأحسن الكلام بعد لا إله إلا اللّه » .
النية الثانية : ينوى أن يحصل له بفعله ذلك عند ربه عهد ، فيكون [ من ] أهل الإكرام والشفاعة [ عند اللّه تعالى ] « 4 » ، كما قيل في معنى قوله :
لا يَمْلِكُونَ
هامش
( 1 ) في الأصل : أوله .
( 2 ) في الأصل : الأكرمين .
( 3 ) في الأصل : تفنن .
( 4 ) في الأصل : فيكون أهل الإكرام والشفاعة عبدا .