محب للشهوات أن أجعله إماما للمتقين .
قال أبو طالب المكي ، رحمه اللّه : وقد يتطوع العبد بعمل يصنع به فرضا أو واجبا ، وإحكام الفرض يحوز السلامة التي هي الفضل .
وروى في مثل هذا أن عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، تعسس ذات ليلة ، فاطلع من خلل باب ، فإذا شيخ بين يديه زق خمرة ، وقينة تغنيه ، فتسور عليه ، فقال : ما عندي نفسه « 1 » ، ما أقبح بشيخ مثلك أن يكون على مثل هذا الحال ، فقام إليه ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، أنشدك اللّه إلا أنصفتنى ، أتكلم ؟ فقال له : قل ، قال : إن كنت عصيت اللّه في واحدة ، فقد عصيته أنت في ثلاث ، قال : وما هي ؟ قال : قد تجسست ، وقد نهاك [ اللّه ] عن ذلك ، وقد تسورت ، وقد قال اللّه تعالى :
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
[ البقرة : 189 ] ، وقد دخلت بغير إذن ، وقد قال اللّه تعالى :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
[ النور : 27 ] ، فقال عمر :
صدقت ، فهل أنت غافر لي ذلك ؟ فقال : غفر اللّه لك ، فخرج عمر وهو يبكى ، [ وقد ] علا ضجيجه ، وهو يقول : ويل لعمر إن لم يغفر اللّه له هذا الذنب ، أرى الرجل قد كان يختفى بهذا عن ولده ، وجاره ، وصبي منزله ، والآن يقول : اطلع علىّ أمير المؤمنين ورآني ، ويل لعمر ، وويل أمه إن لم يغفر اللّه له .
ومثل هذا مما هو حال العبد ، وأولى به من حال غيره ، ما روى أبو نصر النمار ، أن رجلا جاء يودع بشر بن الحارث ، وقال : عزمت على الحج ، فتأمر بشئ ؟ فقال بشر :
كم أعددت للنفقه ؟ قال : ألفي درهم ، قال : وأي شئ تبتغى بحجك ؟ نزهة ؟ أو تجارة ؟ أو اشتياقا إلى البيت ؟ أو هربا من عيالك ؟ أو استراحة من شوقك ؟ فعد عليه شهوات النفس ، أو تطلب به رضا اللّه ؟ قال : بل رضى اللّه ، [ قال : ] فإن أصبت رضى اللّه وأنت في منزلك ، وعلى معاشك ، وتكون على يقين [ من ] مرضاة اللّه ، أتفعل ؟ قال : اذكر لي ، قال : اذهب ، فأصدقها في فقير لسد فاقته ، أو في أرملة تغنيها ، أو في يتيم تفرحه ، أو في مديون تقضى دينه ، وإن قوى قلبك أن تعطيها لواحد من فقراء إخوانك فافعل ، فإن إدخال السرور على قلب امرئ مسلم ، أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام ، قم فأخرجها كما أمرنا ، وإلا قل لنا ما في نفسك ، فقال :
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل .