فجعل « 1 » يكثر التشكى ويكثر التأوه ، فقال : كم تقول لقد ذهبت عيني من أربعين سنة بنية التأديب .
ولقى سفيان الثوري جعفر الصادق ، وعلى جعفر جبة خز ، فقال : ما هذا يا ابن رسول اللّه ، فأخذ بيده ، فأدخلها في جبته ، فإذا تحتها عباءة ، فقال : هذا للّه ، وهذا للناس ، فقد أظهر عمله الخفي لأجل نفى التهمة عن قلب أخيه المؤمن .
ومثل هذا ما جاء في الأثر ، أن مالك بن دينار والحسن البصري التقيا ، وعلى مالك بن دينار صوف وبرنس ، وعلى الحسن حلة حمراء ، فقال الحسن لمالك : يا رويهب ، فقال : نشدتك اللّه يا أبا سعيد لو اطلع علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أكان اللّه يرضى لباسى أم لباسك ؟ فرفع الحسن ذيل جبته ، فإذا تحتها « 2 » قميص شعر ، ثم قال :
وما أردناكم به أظهرناه ، وما أردنا اللّه به أخفيناه ، وقد أظهر عمله بعد ما كان كتمه ؛ ليخرج الأفكار من قلبه .
وكان بعض الصالحين إذا أصبح يقول : صليت الليلة كذا وكذا ، ركعت وقرأت كذا وكذا آية ، فيقول له أصحابه : أتتحدث بعملك ؟ فقرأ :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
[ الضحى : 11 ] ، فهذا الإمام المشهور أظهر عمله ؛ كي يقتدى به أصحابه ، وينبسطوا لمثله .
ويقال : اعتل الجنيد والثوري ، فعادهما « 3 » جماعة من الفقراء ، فأما الثوري ، فلم يشك ، ولم يظهر علته ، وأما الجنيد ، فأظهر علته ، فقيل له في ذلك ، فقال : أردنا أن نكشف آثار قدرة اللّه فينا ، فلهذا أظهر علته ، وشكى ألمه ، ومع ذلك كان فاضلا في فعله لما استعمل من حسن النية فيه .
وقال ابن [ أبى ] الحوارى : سئل الدارانى عن الرجل يعمل الطاعة ، ثم يخبر بذلك ، فقال : إذا كان إماما يقتدى « 4 » به ، فنعم ، فهذا مختلف باختلاف العمال .
هامش
( 1 ) في الأصل : يجعل .
( 2 ) في الأصل : تحته .
( 3 ) في الأصل : فعاداهما .
( 4 ) أي لا يصلح للاقتداء به ، وإلا فكثير ممن صدروا أنفسهم لمشيخة الطريق دون شهادة حال ، أو صدق ، أو إجازة عارف يقتدى بهم مريدوهم ، وليسوا من أهل الاقتداء ، ولمن يصلح الاقتداء من الشيوخ شروط عرضت لها كتب التصوف في أبواب مستقلة .