وقال أبو طالب : وقد يعقد الجاهل على عقد يلتمس به الفضل ، وذلك العقد نقص اغترار بظاهر الأمر ، مثل ما روى أن رجلين على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تآخيا على العبادة ، واعتزلا الناس ، فقال أحدهما لصاحبه : هلم اليوم فلننفرد عن الناس ونلزم الصمت ، ولا نكلم من كلمنا ، فإنه أبلغ فيما نريد من القربة إلى اللّه تعالى ، فاعتزلا في خلوة وصمتا ، فمر بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسلم عليهما ، فلم يردا عليه السلام ، فسمعناه حين جاوز بنا يقول : هلك المتعمقون ، هلك المتنطعون ، فاعتذرا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتابا إلى اللّه من ذلك .
وكان رجل يختلف إلى مجلس ابن عون ، وترك ذلك أياما ، وجلس في البيت ، فرأى ذات ليلة في المنام [ قائلا يقول : ] انقطعت عن المجلس ، لقد غفر اللّه للقوم « 1 » سبعين مرة بعد تخلفك عنهم ، وحرمت « 2 » ذلك .
وقيل لبعض العلماء : [ أ ] يتخلف الرجل عن الجماعة إذا خاف الفتنة في دينه ؟
قال : نعم ، يصلى في منزله ، قيل له : يتخلف عن طلب العلم ؟ [ قال : ] هو الواقع في خوف الفتنة « 3 » .
قال أبو طالب ، رحمه اللّه : وقد تلتبس الإرادة بالمحبة ، والإرادة أن يريد وقوع الأمر ، وقد لا يحب كونه ، أو يريد أيضا وجوده ضده ، والمحبة ما قهر العقل ، وغلب الوجد ، وخلا في مجامع القلب ، وكره وقوع غيره ، ولم يرد فقده .
قال يحيى بن معاذ : معاشر المريدين ، لا تطلبوا الدنيا ، فإن [ كان ] لا بد ، فاطلبوها ولا تريدوها ، فإن كان لا بد ، فأريدوها ولا تحبوها ، فإن كان لا بد ، فأحبوها ولا تسكنو إليها ، فإن الزاد منها والمقيل في غيرها .
وقيل : أراد الخالق خلق إبليس ، ولم يحب ذلك ، وأراد أن يخلق آدم وأحب ، والسعيد من اجتمع فيه الإرادة والمحبة .
وحكى عن مالك بن دينار ، وهو مما يليق بهذا الفصل ، قال : خرجت من البصرة
هامش
( 1 ) في الأصل : القوم .
( 2 ) في الأصل : أحرمت ،
( 3 ) أي التخلف عن طلب العلم لخوف الوقوع في الفتنة ، هو الوقوع في وزر خوف الفتنة فعلا ، حيث قعد عن طلب العلم الذي به قوام العقيدة والعبادة ، وفرق بين الخوف والفتنة ، وهو الوقوع في خوف الفتنة فعلا .