أريد الحج إلى بيت اللّه الحرام ، فلما بلغت مكة استحليت الطواف ذات ليلة ، فبينما أنا أطوف بالكعبة ، وأنا متلذذ بحلاوة الخلوة ، فلما دنا الفجر ، رأيت جارية تطوف أمامى ، وهي تقول : سيدي ، ومولاي ، بسكرى البارحة ، وخمارى الساعة ، إلا غفرت لي ، فقلت : يا جارية ، ما هذا الكلام في مثل هذا المقام ؟ فقالت : يا مالك ، ما قلت إلا ما يليق بحالي ، وهذه كلمة تصلح لي ولا تصلح لك .
فقلت : واعجباه ، كانت المسألة واحدة ، فصارت اثنتين ، أخبريني كيف عرفت [ أنى ] أنا مالك بن دينار ؟ وكيف هذه الكلمة تصلح لك ولم تصلح لي ؟ فقالت : أما معرفتي بك ، فإن روحي وروحك التقيا تحت عرش الجبار ، فشم روحي روحك ، فعرفتك حين رأيتك ، وأما قولي : إن هذه كلمة تصلح لي ولا تصلح لك ، فذاك لأنى أحب اللّه ، وأنت تريد اللّه ، فما أبعد ما بينهما ، ف [ أما ما ] يعجبك من قولي ، فو اللّه ما قلت كذبا ، شربت بكأس المحبة مسرورة « 1 » ، فأصبحت في ميدان الشوق مخمورة « 2 » ، ثم ولت وهي تقول :
أسقيتنى كأسا فأسكرتنى * فمنك سكرى لا من الكأس
قطعتني عن كل مستوحش * أفديك بالعين وبالرأس
قال أبو طالب المكي : وقد تلتبس الحاجة بالشهوة ، فالحاجة ما اضطررت [ إليه مم ] ا لم يكن منه بد ، ولا تستغنى بغيره عنه .
روى [ أن ] إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، قصد إلى باب صديق له في حاجة الدنيا ، ولم يقضها « 3 » له ، فجلس متفكرا حزينا ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا إبراهيم ، لو نجليلك نجا أنزلت حاجتك لقضاها « 4 » لك ، فقال : إلهي ، علمت أن الحاجة تبغض للدنيا ، فكرهت أن أعارضك بذلك ، فقيل له : يا إبراهيم ، أو ما علمت أن الحاجة ليست من الدنيا « 5 » ، والشهوة مزيد لذة ، واستدعاء فضل فاقة ، واجتلاب تقدم عادة .
ولقد أوحى الخبير ، إلى من كان يخلط الرماد بالشعير : يا داود ، حرام على قلب
هامش
( 1 ) في الأصل : مسرورا .
( 2 ) في الأصل : مخمورا .
( 3 ) في الأصل : يقض .
( 4 ) في الأصل : لقضاء . والعبارة مضطربة .
( 5 ) أي ليست معدودة من أمارات حب الدنيا ؛ لأنه لا بد منها لتقويم الحياة .