قال يحيى بن معاذ : يموت التقى [ بداء ] لا يبرئه إلا العبور على جسر جهنم ، ويموت الزاهد بداء لا يبرئه إلا التلذذ بنعم الجنة ، ويموت الخائف بداء لا يبرئه إلا استماع البشارة من اللّه بلا واسطة ، ويموت المحب بداء لا يبرئه إلا النظر في وجه اللّه ، ويموت العارف بداء لا يبرئه إلا المجالسة مع اللّه ، والمسامرة مع اللّه ، في مقعد صدق .
وقال أبو طالب المكي : وعلى العامل أن يعرف تلبيساته الفرائض بالنوافل ، والفضائل بالنواقص ، والسنن بالبدع ، حتى لا يقع فيما يكون فيه هلاكه وهو لا يدرى ، وقد تلتبس العبادة بالعادة ، مثل أن للعبد نية في علم أو عمل ، أو صدقة أو حضور مجلس ، ثم تعزب نيته فيبقى « 1 » على عادته ، فرب حالته التي قد عرته ، لا يجب [ معها ] أن يخرج من عرف الناس له ، فيعمل لاستدامة الحال على التكلف لتلك الأعمال ، فتذهب النية ، وتبقى العادة ، فيخرج بذلك من إرادة الآخرة والسعي لها ، فيدخل في إرادة الدنيا بالشهوات ، على جريان العادة لها ، فمن هنا آفة العباد والعلماء ، فاعرف الفرق بين الحالين تنج من التوبيخ في الدارين .
قال أبو طالب ، رحمه اللّه : وقد يتلبس إظهار الأعمال وكشف ما كتم من الأحوال ؛ لأن التأديب به ، ولإرادة الاتباع له « 2 » ، ولإظهار قدرة اللّه وآياته لمزيد السامع من المعرفة به ، يفعل مثل ذلك للتزين ، والفخر ، والمدح به ، وطلب الذكر « 3 » .
وقد جاء في مثل ذلك حكاية عن السلف الصالح يجب على العاقل أن يميز بين الحالين ، كقول الأحنف بن قيس ، وكان أحد العقلاء ، مدحه عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، ووصفه بالعلم والبيان ، قال يوما لابن أخيه ، وقد اشتكى ضرسه
هامش
( 1 ) في الأصل : فبقى .
( 2 ) في الأصل : عليه .
( 3 ) على هذا الخطأ يسير كثير من مريدى طريق التصوف ، يواجه بعضهم بعضا ببعض أنواع الكشف ، فربما قطعه عن الطريق ؛ لعدم درايته بما يكشف عنه ، وما لا يكشف عنه ، وعلامة من يفعل ذلك للتزين أن يغضب إذا نفيت عنه ذلك ، أو جردته من وصف المعرفة .
وقد يواجه مريدوا طريق التصوف بعضهم بعضا بمواجيدهم في الذكر ابتغاء التعليم في الظاهر ، وإرضاء لآفة خفية كامنة في النفس ، وعلامة كذب هذا النوع في رواية الكرامات ، فإن أحدهم يجعل لنفسه قسطا في رواية الكرامة عن غيره ، أو في نقل أحوال من لقيهم من العارفين .
وشيوخ الطريق هنا أحد نوعين ، إما جهلاء لا دراية لهم بالطريق وأعلامه ورسومه وقواطعه ، وهؤلاء يزاحمون مريديهم على هذا الخطأ ، وهم أشر الشر على التصوف منذ ظهر إلى الآن ، وإما علماء أجلاء ، وهؤلاء يفضلون التربية الإيجابية عن بعد ، لا عن تصريح وتوضيح بالتصريح .