ويتمنى السوقي أنه « 1 » ملك ، ويتمنى الوزير أنه أمير ، والوضيع أنه شريف ، ويتمنى الأعمى أنه بصير ، ويتمنى المملوك أنه حر ، ويتمنى الفقير أنه غنى ، أو يتمنى الرئاسة في الدنيا وحسن سياسته للناس ، ويتمنى رفعة الدنيا وفخرها ، وذكر أهلها فيها ، فهذه كلها ملحقة بالدنيا ، وهي مذمومة ، وقد نهى اللّه تعالى عن ذلك في قوله :
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
[ النساء : 32 ] ، يعنى من أرزاق الدنيا ، وأسباب الهوى ، وهذا لا يعرفه أهل المعرفة باللّه .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا تمنى أحدكم ، فلينظر ما تمنى ، فإنه لا يدرى ما يكتب له من أمنيته ، منها ما يكتب به الحسنات ، ومنها ما يكتب به السيئات » .
واعلم أن الأصل [ في ] الأعمال ثلاثة : مفروض ، ومندوب إليه ، ومباح ، فمفروض فعله ، ومفروض تركه ، والعمال ثلاثة :
عامل يعمل لإرادة وجه اللّه بغير نية الآخرة ، ولا تقربا إلى اللّه ، فذلك يوضع يوم القيامة في ميزان السيئات .
وعامل يعمل غفلا وسهوا بحركة الجبلة ، وطبع الفطرة ، وإجراء العادة من غير نية الآخرة ، ولا [ رعاية ] لدينه ، فهذا أحسن أحواله أن يسلم منه كفافا لا له ولا عليه ، وأسوأ أحواله أن يسأل « 2 » عن أعماله التي هي بهذا الوصف ، ويوبخ ويقرع « 3 » ، فيقال له : ويحك ! أذهب [ ت ] وقتك غفلة ، وأفنيت يومك سهوا ، لا جعلته [ للّه ] فتربح ، ولا نويت به الآخرة فتعطى منها ثوابا ، وقد قال في محكم خطابه :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
[ الكهف : 28 ] ، قيل في [ معناه : ] مجازفة وسهوا ، فهذا العمل هو الذي ترتفع منه العبرة عند الميزان ، كما جاء في قوله تعالى :
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
[ الفرقان : 23 ] .
والعامل الثالث هو الذي يخلص عمله ، فيعمل للّه حياء وإجلالا ، أو رغبة ، أو رهبة ، أو لأجل ما أمر به ، فينوى أداء ما افترض عليه ، أو لما ندب إليه ، فينوى المسارعة إلى الخير ، أو فيما أبيح لك ، فتكون نيته صلاح قلبه ، وإسكان نفسه ، واستقامة حاله ، وذلك كله لأجل الدين .
هامش
( 1 ) في الأصل : أنها .
( 2 ) في الأصل : سأل .
( 3 ) في الأصل : وتقريع .