وقال يحيى بن معاذ : جسمي معيوب ، وقلبي معيوب ، وخلقي معيوب ، ودارى معيوب ، أفتطالبني أن أخرج من بين هؤلاء المعيوبين عملا لا عيب فيه ؟ ! وعزتك لا أقدر على ذلك إلا بعزتك ، فأعنى .
وقال أبو طالب المكي : أفضل ما يأتي العبد من عمله ألا يريد بعمله إلا وجه اللّه وحده ، حبا لوصف الإلهية ، وتعظيما لحق الربوبية ، إلزاما للنفس بوصف العبودية ، فإن حجب العبد عن شهادة هذا المقام لغيبة ذي الجلال والإكرام عنه ، فيعمل بمشاهدة ما رغب فيه ، وشوق إليه من مقام الرجاء ، وخوفا مما حذر منه وخوف به [ من ] العذاب الأليم من « 1 » مقام الخوف « 2 » .
قال أبو طالب : وفرض العمل أن يعرف النية من الأمنية ، ويطلب علم ذلك عند العلماء باللّه ، فالنية هي مباينة الهوى فيم أراد به العابد القربة إلى اللّه مما أمر به وندب إليه ، أو أبيح له في ترك ما تمنى عنه مما يتعلق بشأن الآخرة ، فهذه هي النية ، وهي التي يحتاج إليها المؤمن في عمله . فأما الأمنية ، فهي على ضربين :
منها ما يكتب للعبد بها حسنة ، وهي ما تمناه من القربات وغبط به الصالحين « 3 » من الخيرات ، كما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا حسد في اثنين : رجل أتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحق ، فهذا إن تمنيت مكانته كتب لك مثل فضله ، والرجل الثاني رجل أتاه اللّه حكمة ، فهو يعمل بها ويعلمها الناس » . وفي خبر آخر :
« رجل أتاه اللّه القرآن ، فهو يعمل به إناء الليل والنهار » ، فهذا هو التمني المحمود .
والضرب الثاني من الأمنية ، وهو ما يكتب به للعبد السيئات ، وذلك كتمنيه أسباب الدنيا ، وما فضل به أبناؤها من الهوى والشهوات ، وتتمنى المرأة أنها رجل ،
هامش
( 1 ) في الأصل : عن .
( 2 ) قال بعضهم : العمل على الرجاء أعلى من العمل على الخوف ، ألا ترى أن ذلك يناسب حال صغار المريدين ، أما في الوسط ، فيجب أن يستوى الخوف والرجاء ؛ لأن الإفراط في الخوف قنوط ، والإفراط في الرجاء إدلال ، وكلاهما مذموم ، وفي النهايات يغلب الخوف على كبار العارفين .
وهناك فرق بين الرجاء والتمني ، فإن كان السالك قد حصلت له بعض أسباب العمل سمى رجاء ، وإن كانت الأسباب محرمة أو مضادة سمى غرورا ، وإن كانت مجهولة سمى تمنيا ، فالرجاء ارتياح القلب لانتظار محبوب تمهدت أسبابه الداخلة تحت الاختيار ، كرجاء الغلة بعد تسبب الفلاحة . روضة التعريف ، لسان الدين بن الخطيب ، مخطوط مصور بالجامعة العربية 142 تصوف فلم .
( 3 ) في الأصل : الصالحون .