تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
ومما يدل على أن نية الشر يؤاخذ اللّه العبد بها ، ما جاء عن ابن مسعود في تفسير قوله :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ الحج : 25 ] ، قال : إن اللّه تعالى يعاقب العبد على إرادة الشر من غير عمل ؛ لأن اللّه علق العذاب بالإرادة ، . وهكذا قال غيره في همه الشر إن اللّه يؤاخذ به ، [ و ] اعتل بقوله تعالى :
وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا
، ثم قال بعده :
فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ
[ التوبة : 74 ] ، فأدخل الهمّ في الذنوب ، و [ أ ] عقبها بالتوبة [ وطلبها ] . وقيل للثوري : أيؤاخذ اللّه العبد بالهمة ؟ يعنى إذا كانت عما أخذ ، يعنى إذا عقد فنوى فعلها فهو العزيمة ، وهو الذي أخبر اللّه جل ثناؤه ، أن في آدم ، عليه السلام ، لم يجر ذلك بقوله :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
[ طه : 115 ] . وفي حديث ابن أبي كبشة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رجل آتاه اللّه مالا ، ولم يؤته علما ، فتخبط في ماله بغير علم ، فيقول رجل : لو أتاني مثل ما أتاه لعملت فيه كما يعمل ، فهما في الوزر سواء » . قال أبو طالب : فالقلب أضعف شئ وأهونه ، وإنما قوته بقوة النية ، فإن قويت نيته في الخير ، قوى قلبه بها ، وإن ضعفت نيته ، ازداد القلب ضعفا بضعفها « 1 » . وقال أبو طالب : وقد أغفل الناس علم النية ، وتركوا السؤال عنها ، كإغفالهم السؤال عن سيرة المتقدمين كيف كانت في كل شئ ، وكتركهم التفقد لها ، وكحاجتهم إلى علم التوبة وأحكامها . والنية هي فرض الفرض ، وأصول الأصول ، وقد كان العلماء إذا سئلوا عن علم شئ ، أو سعوا في أمر ، [ قالوا : ] إن رزقنا اللّه نية فعلنا ذلك . قال أبو طالب المكي ، رحمه اللّه : وعلى العبد ألا يترك العمل الصالح خشية دخول الآفة عليه إن كان داخلا فيه ، لما يتغير به من العوارض والوساوس ، وفي ترك العمل لأجل الناس حياء منهم ، ولا يترك العمل كراهية اعتقاد الناس فضله ، فإن فعل شيئا من ذلك أدرك العدو بغيته منه ، ووافق محبة عدوه ، وذلك لأن العمل لأجل الناس
هامش
( 1 ) في حديث آخر : « ومن هم بسيئة ولم يعملها ، لم يكتب عليه سيئة » ، وفي كلام أبى طالب وجه للجمع بين الرأيين ، والتوفيق بينهما ، فالعبد لا يؤاخذ على الهم بالذنب مؤاخذة فاعل الذنب ، وإنما يؤاخذ لتسببه في إضعاف قلبه ، ويضعف نيته بكثرة الهم بالذنب يمكن أن يقع العبد فيه ، فيؤاخذ حينئذ بالذنب ونواياه السابقة ؛ لأنها سبب في وقوعه في الذنب بعد ذلك .