تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
وكان مطرف بن الشخير يقول : صلاح العمل بصلاح القلب ، وصلاح القلب بصلاح النية ، ومن صفا صفى له ، ومن خلط خلط . وقيل : معناه أن النية من شروط صحة العمل ، ولا يصح إلا بها ، فما لا يصلح العمل إلا به ، هو خير من العمل . وقال قائلون : معناه أن العبد إذا عمل عملا صالحا ذكر به ، ومدح وأثنى عليه ، وإذا نوى بقلبه ولم يمكنه القيام لاستعمال ما نوى ، ثم ذكر ذلك ، لم يثن عليه ولا مدح بما نوى ، وما نوى أكثر من الفوز وأعظم في الأجر مما يعمل ظاهرا ، فذلك معناه . وهذا لحديث أبى ضمضم ، لما جاءت النبي صلى اللّه عليه وسلم الصحابة من الصدقة ، جاء كل واحد بما تيسر ، ونوى أبو ضمضم بقلبه صدقة عرضة ، فلما أصبح غدا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال النبي ، عليه السلام : « من المتصدق بعرضة البارحة ؟ ألا إن اللّه قد قبل صدقته » ، ثم جعل النبي ، عليه السلام ، [ يقول ] معظما لفعله ومقللا لفعل الصحابة : « يعجز أحدكم أن يكون كأبى ضمضم ، ففي هذا آية للسائلين » . ومثله ما روى في خبر أن رجلا مر على تل من الرمل في زمن مجاعة وقحط ، فتمنى بقلبه أن لو كان دقيقا فتصدق به ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيهم : قل له : قد قبلنا صدقتك ، وشكرنا حسن نيتك ، وأجزينا لك من الفضل أن لو كان دقيقا فتصدقت به . وهذا العبد لو كان هذا المقدار من الرمل دقيقا فملكه ، ثم تصدق به ، لخاف على نفسه العلة والآفة في صدقته من مدح وثناء ، وذلك نقصان في قربانه ، ولما نوى ذلك من غير مباشرة منه لذلك بجوارحه ، حصل له الأجر العظيم ، والثواب الجسيم ، مع التخلص من الآفة ، فهذا معناه « 1 » . وقال قائلون : معناه نية المؤمن للعمل الصالح قبل أن يعمله ، خير من العمل الصالح إذا لم تتقدم النية ، وهذا كرجل صلى ركعتين ، ونوى إن عاش ألف سنة أن يفعل ذلك كل يوم ، ثم يموت ، فربنا تعالى أعطى الأجر بنيته ذلك ، وإن لم يتصدق ، [ و ] ذلك بحسن نيته .
هامش
- « ونية الفاسق شر من عمله » ، فالمراد أن الفاسق ينوى بعمله الازدياد من الدنيا ، أو نفاق الناس ، أو الاستعانة بظاهر العبادة على الخلق ، والإضرار بهم ، أو غش الناس بعلمه ، فهذا كله شر من العمل المقترن به . ( 1 ) ومن نوى أن يعمل سوءا ، فلم يعمله ، لم يكتب عليه وزره ، للحديث : « ومن هم بسيئة فلم يعملها ، لم تكتب عليه سيئة » .