يهاجرون إليه من مكة مع نيات مختلفة ، فقوم نياتهم دنيا يصيبونها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وآخرون نياتهم أن يعيشوا في جملة الفقراء من الصحابة ، وآخرون ينوون التزويج من نساء الأنصار ، لما بلغهم من حسنهن وجمالهن ومواستهن للأزواج ، وآخرون يحبون المرأة من المهاجرات ، فيهاجرون رغبة في تزويجها ، وآخرون يستطيبون أرض المدينة وهواءها ولذة العيش فيها ، فيخرجون تضرأ « 1 » منهم .
والمرأة تبغض زوجها ، فتخرج مهاجرة ، وآخرون يخرجون التماس رضاء اللّه ورضا رسوله ، فكانوا يخرجون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مع اختلاف هذه النيات ، فيخفى ذلك على الصادقين من المهاجرين والأنصار ، ويدخلون في جملة اسم الهجرة ، ويسمون المهاجرين ، فكشف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « إنما الأعمال بالنيات » ، معناها لا عمل متقبل يرضاه [ اللّه ] ويرفعه ويحبه إلا بالنية الصالحة الخالصة .
ثم قال للجملة من المخلصين الصادقين ، ومن المخلصين الكاذبين « 2 » : « [ ألا ] ولكل امرئ ما نوى » ، فوكلهم في حكم سرائرهم إلى الوكيل إذ لم يرسله اللّه وكيلا ، ولا حفيظا ، ولا مسيطرا ، بل بعثه مبلغا ، ثم فسر القول ، وفصل الحكم ، فقال : « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله » ، أي نصرة لدين اللّه ، لا مهاجرا ومجاهدا مع رسول اللّه ، « فهجرته إلى اللّه ورسوله » ، أي فله ما نواه ، ردا على قوله : « ألا ولكل امرئ ما نوى من الخير » . ثم قال في نية الشر : « ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه » ، أي ما نواه عطفا أيضا على محمل قوله :
« لكل امرئ ما نوى من الشر » .
قال ابن مسعود ، رضى اللّه عنه : هاجر منّا رجل ، فتزوج امرأة تسمى أم قيس ، وكان يسمى مهاجر أم قيس .
وكذلك مثل هذا في الخبر الآخر ، أن رجلا من المسلمين خرج في غزاة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرأى رجلا من المشركين على حمار قد خرج للمبارزة ، فطمع الرجل المسلم في حماره ، فخرج إليه ، فقتله الكافر « 3 » ، فكان يسمى شهيد الحمار بنيته .
هامش
( 1 ) كذا بالأصل .
( 2 ) أي المخلصين ظاهرا ، الكاذبين في نياتهم ، كالذين هاجروا لزواج ، أو ضجرا من مكة .
( 3 ) في الأصل : « في سبيل اللّه » ، ولا معنى له إلا بتعسف يأباه الشرع .