وقال أبو طالب ، رحمه اللّه : النية خلد [ ت ] أهل الجنة [ في ] الجنة ، وخلد [ ت ] أهل الشرك [ في ] النار ، لدوام ثبات الموحدين على التوحيد مدى الأبد ، ودوام نية الملحدين ما بقي الدهر ، فصار ذلك من معظم أعمال الفريقين ، فاستوجبوا الخلدين .
وفي الخبر معنى غير هذا ، بأن يكون الكلام يتحلى بالتقديم والتأخير ، أي نية المؤمن هي من عمله خير ، كأنه قال : بعض أعمال الخير ، وهذا كقوله :
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ
« 1 »
عَنْها
[ الأعراف : 187 ] ، فأخر قوله :
عَنْها
معناه التقديم .
قال أبو طالب : بالنية امتاز المنافقون من جملة المؤمنين ؛ لأن المنافقين مؤمنون في الظاهر ، ومحكوم لهم وعليهم بحكم الإيمان في المؤمنين ، إلا أنهم كانوا يراءون الناس ، ولا يذكرون اللّه بقلوبهم ، إلا أنهم يذكرونه بالألسنة ، وذكر اللسان وإن كثر قليل ، وليس شئ من ذكر القلب بقليل ، فهذا ما جاء في تفسير معنى الخبر مستقصى فيه .
* * *
والخبر الثاني
قال أنس بن مالك ، رضى اللّه عنه : لما خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، قال : « إن بالمدينة أقواما ، ما قطعنا واديا ، ولا وطئنا موطنا « 2 » يغيظ الكفار ، ولا أنفقنا نفقة ، ولا نصبنا نصبا ، ولا أصابتنا مخمصة ، إلا يشركون [ نا ] في ذلك وهم في المدينة » ، قالوا :
وكيف يا رسول اللّه وليسوا معنا ؟ قال : حبسهم العذر ، فاشتركوا بالنية » .
فانظر كيف حصل لهؤلاء القوم أجر صدقة المتصدقين ؟ واجتهاد المجتهدين ؟
وقطع مفاوز المسافرين ؟ حصل لهم هذه الأنواع من الطاعات وهم في بيوتهم ، وعلى أعمالهم وأولادهم وأهليهم ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه يختص برحمته من يشاء ، ومثله قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ، ولرب قتيل بين الصفين اللّه أعلم بنيته » .
* * *
الخبر الثالث
قال أبو طالب المكي ، رحمه اللّه : لما هاجر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، جعل المؤمنون
هامش
( 1 ) في الأصل : حفا .
( 2 ) في الأصل : موطىء .