قال أبو بكر بن دينار ، رحمة اللّه عليه ، في معنى الآية : إن القوم لم ينطقوا بذلك « 1 » نطقا ، وإنما اطلع اللّه على قلوبهم ، فعلم ذلك من بياتهم ، فأخبر ما ذلك ، وأثنى عليهم ، ومدحهم .
* * *
وأما الأخبار المستدل بها
الخبر الأول
فما روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « نية المؤمن خير من عمله ، ونية الفاسق شر من عمله » . واختلف العلماء في معنى هذا الخبر ، وحكى عنه أوجه .
قال أبو طالب المكي في معناه : لأن النية سر ، وأعمال السر تضاعف على أعمال العلانية بسبعين ضعفا ، ويقال : إن العبد إذا ذكر ربه في نفسه كتب اللّه ذلك بيده في صحيفته ، فإذا عارض عمله مع الملائكة ، يزيد ذكر العبد إياه بقلبه ، فيقول الملائكة :
ربنا عمل هذا العبد كله « 2 » قد أحصيناه ، وهذا لا نعرفه ، فيقول اللّه : ملائكتي ، إن هذا العبد ذكرني في نفسه ، فكتبته « 3 » في صحيفته ، فإذا كان يوم القيامة ، لم يكن لهذا الذكر جزاء دون النظر إلى وجه المذكور ، فهذا أجل الوجوه في معنى الخبر .
وقيل : معناه لأن النية غيب لا يطلع عليه إلا اللّه ، وسائر الأعمال مشتركة بين رؤية اللّه ورؤية الخلق ، كما قيل : إن الملائكة تصعد بصحيفة العبد إلى اللّه ، فإذا بنداء من قبل اللّه عز وجل : ملائكتي ، اكتبوا لهذا العبد كذا ، اكتبوا له كذا ، فيقول الملائكة :
إلهنا ، إنه لم يعمل شيئا من ذلك ، فيقول اللّه : إنه نواه ، فهذا يدلك على أن النية لا يطلع عليها أحد إلا اللّه .
وقيل : معناه أن اللّه عز وجل ذكره يهب النية للعبد خالصة لا يشوبها شئ ، ولا تدخلها آفة ، والأعمال يهب مع التخليط والشوب ، وما لا خلط فيه ، فهو أخير وأفضل مما فيه الخلط « 4 » .
هامش
( 1 ) أي بقولهم :إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً[ الإنسان : 9 ] الآية .
( 2 ) في الأصل : كلها .
( 3 ) في الأصل : فأبلته في صحيفتي .
( 4 ) هذا كله في تفسير السطر الأول من الخبر : « نية المؤمن خير من عمله » ، أما الشطر الثاني : -