تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
صلى اللّه عليه وسلم ، فقال :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها . . .
الآية ، أي لا يصل إلى اللّه تعالى من هذا القربان الذي تنحرونه غير التقوى ، فذلك الذي يقبله اللّه منكم ، والتقوى محلها في القلوب ، وهو مثال الحق من الأعمال لا يصلح له غيره ، ولا يقبل سواه ، ما أصنع باللحوم والدماء ؟ وإنما أريد الإخلاص والصفاء منكم محل الدماء ، وبطونكم محل اللحم ، وأنا محل التقى . وقيل : الحكمة في ذلك كأنه يقول : معاشر المتقربين إلى ، التقوى من عندي ، والذي تتقربون به من القربان من لدني ، فأما القربان فقد جرى تحت رسم أيديكم ، وقد لا حظته عيون الخلق منكم ، والتقى محفوظ في قلوبكم ، مكنون في غيابه غيب نياتكم ، لم تنله الأيدي ، ولا جرت فيه الأنظار ، ولا شهادة الأبصار ، فهو طلبتي منكم ؛ لأنى لا أقبل من عبادي إلا الطاهر من التخليط ، وذلك هو التقوى لا غير . وقال الحسين بن الفضل في معنى الآية :
وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
، الهاء إشارة للّه تعالى ، ولكن المتقى من المتقربين هو الذي ينال غدا رب العالمين ويراه ، فينظر إليه عيانا في محل اللقاء والتمكين . وهذا جائز كما حكى عن إبراهيم بن شيبان ، قال : إذا اجتمع الخلائق في الموقف بين يدي رب العالمين ، يأتي الملائكة إلى زمرة المؤمنين ، فيقولون لهم : انطلقوا يا أولياء الجبار ، فيقولون : إلى أين ؟ فيقال لهم : إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت لكم ، فيقولون : واللّه ما لهذا عملنا فنرضى به ، ولا هو بغيتنا فنتبعكم ، فيقول الملائكة : فما بغيتكم ؟ فيقولون : هو بغيتنا له عملنا ، وإياه أردنا ، فإذا نداء من قبل اللّه تعالى : ملائكتي ، اتركوهم فإنهم لا يرضيهم غير النظر إلى وجهي . وقيل في معنى الآية : لا تصعد الملائكة بلحمها ودمها ، ولكن يصعدون بالتقوى منكم . وقد جاء في الخبر أن العبد ليعمل أعمالا حسنة ، فيصعد بها الملائكة في صحف مختمة ، فتلقى بين يدي اللّه ، فيقول اللّه : اطرحوا هذه الصحيفة ، فيقول الملائكة : إلهنا ما علمنا إلا خيرا ، فيقول اللّه : ملائكتي ، أنتم الحفظة على عمل عبدي ، وأنا المطلع على قلبه ، إنه لم يرد به وجهي . وقال بعضهم في معنى هذه الآية إشارة دقيقة ، وعتاب لطيف لأهل المحبة والوفاء ، وأرباب الصدق والصفاء ، وذاك أن التقى في العبد من العبد ، واللحم والدم خارج