تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤

باب حكم النية في الأعمال ومعرفة دقائق العلل وغوامض الآفات

وقد قال طوائف العلماء الراسخين ، والحكماء الربانيين ، والخلصاء من العارفين ، في النية أقوالا مختلفة الألفاظ ، قريبة المعاني . قال أبو طالب المكي ، رحمه اللّه : قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أحسابكم ، ولا إلى أعمالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم » ، فنظر علام الغيوب إلى القلوب إنما هو موضع النية ، والنية هي روح العمل ، وكما لا قيمة للجسد إلا بالروح ، كذلك لا قيمة للعمل إلا بالنية ، والنية قلب القلب ، يعنى لولا محل النية في القلب لما كان يعرف قيمة القلب ، وصار [ ت ] النية بهذا قلب القلب ، والنية زمام القلب ، فكما لا إصلاح للدابة في سيرها إلا بإحكام الزمام ، كذلك لا إصلاح للقلب في مقاصده إلا بإحكام النية . والنية قائد العمل ، فكما لا تصل القافلة إلى محل الأمن والسلامة إلا بمعرفة القائد بالطريق ، كذلك لا يصل العمل إلى اللّه تعالى إلا بخلصان النية فيه ، والنية أول القصد ، وإنما يجئ تمام الأعمال شبيه أول القصد فيه ، وربما تتغير النية بعد القصد من الفساد إلى الصلاح ، ومن الصلاح إلى الفساد ، والنية باطن العلانية من الحركات ، والسكنات « 1 » ، والنطق ، والسكوت ، والخروج ، والدخول . والنية موضع نظر رب العالمين من سر العبيد ، كما قال اللّه تعالى في بعض الكتب : إني لا أنظر إلى قول الحكيم ، وإنما أنظر إلى همه ، فمن كان همه في رضائي ، جعلت صمته تسبيحا ، ونومه عبادة ، فمن رجح صمته تسبيح المسبحين ، وذكر الذاكرين ، كيف يكون ذكره وتسبيحه ؟ ! ومن رجح نومه عبادة المتعبدين ، كيف تكون صلاته ؟ ! والنية مثلها « 2 » في الأعمال كالطهارة في الصلاة ، فلو لم يتطهر العبد قبل الصلاة للصلاة ، وقام ألف سنة في الصلاة ، لم يعتد له [ شئ ] من صلاته بذلك ، كذلك العامل إذا لم ينو بقلبه قبل العمل ، فلو عمل ألف سنة ، لم يحصل له من عمله مثقال
هامش
( 1 ) في الأصل : السكوت . ( 2 ) في الأصل : مثله .
علم القلوب — صفحة 164 | أبي طالب المكي / عبد القادر احمد عطا