بعض بوادي العرب ، فإذا أنا بقطيع من الغنم والذئاب بينها ، فنظرت ، فلا الذئاب تقطع الغنم ، ولا الغنم تنزع الذئاب ، فرفعت يدي نحو السماء ، وعجبت عجبا شديدا ، فنظرت إلى البرية ، فإذا أنا بجارية سوداء قائمة تصلى ، فسلمت عليها ، فأوجزت في صلاتها ، وقالت : ما لك وسلام النسوان يا شيخ ؟ قلت : يا جارية ، ما هذا العجب ؟ قالت : وهل في أمر اللّه عجب ، ما الذي رأيت ؟ فأخبرتها ، فقالت : يا هذا ، ذاك من الأمور أصلحنا المعاملة بيننا وبين الملك الغفور ، فأصلح بين الذئاب والغنم ليتعجب الغافل المستور .
وقيل : الكافر يعمل لزينة الدنيا ، والمنافق يعمل لرؤية الخلق بالهوى ، والمؤمن يعمل للآخرة والعقبى ، والموقن يعمل لمشاهدة الجليل في المنظر الأعلى ، من عمل للدنيا ، فهو يؤدى العمل للمخلوقين « 1 » ، فهو ردى ، ومن عمل للعقبى ، فهو رد [ ى ] ، ومن عمل للمولى فهو صفى .
معاذ بن جبل قال : قلت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أوصني ، قال : « اخلص عملك للّه يكفيك القليل » .
وقال عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه : لقد خشينا أن يدخلنا خوفا من الرياء في تسعة أعشار الرياء ، فهذا عظيم ، ومعناه أن يترك العبد كثيرا من الصالحات لأجل خوف دخول الرياء ؛ لأن الرياء كان عندهم العمل لأجل الناس « 2 » ، فأما ترك العمل لأجلهم ، فهو شرك .
وقال بعضهم في معنى قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
[ المؤمنون : 59 ] من فتش سره فرأى فيه شيئا أعظم من ربه ، أو أجل منه ، فقد أشرك
هامش
( 1 ) في الأصل : فهو يود لي عمل للمخلوقين .
( 2 ) الذي يدخلنا في تسعة أعشار الرياء أن نضطرب في إخفاء أعمالنا ، فيظهر إخفاؤنا لأعمالنا ، فنجد لإجلال الناس لنا لذة ، فنظهر ألوانا من الورع ؛ لنثبت حالنا في أذهان الناس ، أو نخفى الأعمال ، إما في خلوة ، أو بالإسراع بها قبل رؤية الناس ، فيدخلنا الشك في صحتها ، فنصاب بالوسوسة ، والوسوسة تجر إلى إعلان الأعمال رغم أنف العامل ، فربما حاول تلبيس وساوسه بأنه إتقان للعمل ، وإما أن يعالج العامل الرياء بالرياء ، فيعمل أمام الناس ليتحاشى ترك العمل خوفا من الناس ، فيجد من ذلك سترا لنفسه من الرياء ، وهو عين الرياء . ورأى المؤلف في تفسير قول سيدنا عمر جيد أيضا .