فإذا هو : ماذا لقيت ؟ وماذا ألقى ؟ فسأله الراهب عن حاله ، فقال : إني كنت رجلا في بني إسرائيل ، أرائى الناس بصلواتى ، ما كنت بتلك « 1 » الصلاة للّه ، وإني كنت آكل الدنيا بالدين ، قلت : فماذا لقيت ؟ قال : لما كان عند انقضاء أجلى ، دخل على ملكان ، ومعهم ملك الموت ، فقال أحد الملكين للآخر : آخذ [ ه ] قبض المؤمن ، أم قبض الفاسق ؟ قال : بل قبض الفاسق ، فخرج روحه من جسده ، كما قد شرح بالسكين ، فتمنيت [ أن أ ] قتل عشر مرات ، أو [ أ ] طبخ عشر مرات ، ولا أرى خشونة الموت ، ولكن أشفع لي إلى اللّه لعله يردني إلى الدنيا ، فأفرش من الرماد ، وآكل من الحشيش ، وأتوب إلى اللّه ، فإني رأيت الرياء أشد من الشرك ، فسمع صوتا وهو يقول : قم [ أيها الر ] أهب المستجاب الدعوة ، ودعه حتى نرده إلى عذاب دائم وهوان « 2 » .
وقيل : بالعلم تقوم الأعمال ، وبالإخلاص تصحح ، وبالصدق تصفى . وقيل :
للمرائي ثلاث علامات : يكسل في الوحدة ، وينشط في الملأ ، ويحرص على الأمور الممدوحة عند الناس .
وقال الأنطاكي : احذر الشيطان لا يحول بينك وبين طاعة ربك ، فإن أعانك اللّه على طاعته فاحذره ، أو يفسد عليك ما قد علمته من الطاعة ، ثم احذره أن يخفى عليك ما أفسد عليك من طاعة اللّه « 3 » ، فإن قويت عليه ، فاحذر أن يسلبك بعد تعبك ونصبك وسعيك ما قد أفسده عليك « 4 » ، فإنه يحتال أن يخرجك من ذلك كله صفرا ، ثم احذره أن يحتال لك في المعاصي والكبائر ، أن يوقعك فيها سرا أو جهرا بجهالة أو تعلم ، فإن له في جميع ذلك احتيالا ومكرا .
وحكى عن ابن المبارك أنه وسوس له الشيطان ، فقال له : تمسح رأسك ؟ فقال :
أنت المدعى ، عليك شاهدين عدلين ، وصلى .
هامش
( 1 ) في الأصل : بذلك .
( 2 ) قصة إسرائيلية يراد بها كغيرها ، الدلالة على فضائل الأعمال ، يؤخذ بنتائجها ، ولا يؤخذ بتفاصيلها .
( 3 ) يخفى عليك الشيطان ما أفسد عليك من طاعة ، بأن يلقنك نوعا من الجدل والحجة الباطلة تقنعك بصحة عملك .
( 4 ) العمل الفاسد خير من عدم العمل ، والشيطان يوقع العامل في اليأس فلا يعمل ، فيسلبه الشيطان ما أفسده عليه .