تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أخوف ما أخاف على أمتي الشرك ، والشهوة الخفية » « 1 » ، قيل : يا رسول اللّه ، أو تشرك أمتك بعدك ؟ قال : « إنهم لا يعبدون شمسا ، ولا قمرا ، ولا وثنا ، ولا حجرا ، ولكن يراءون الناس بأعمالهم ، وإن يسير الرياء شرك » ، قيل : يا رسول اللّه ، فما الشهوة الخفية ؟ قال : « يصبح الرجل صائما ، فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا ، فيفطر « 2 » ، وقد هلكت طائفة من أهل الزمان ممن لا معرفة لهم ولا إيقان ، يفطر باتباع هواه ، ما عقد لصوم ونواه » . يتأول في ذلك أن إدخال السرور على الأخ من الأخوان أفضل من الصوم ، وأين ذلك الأخ الذي يحب العبد أن يفطر لرضاه ؟ ذاك هو الأخ الذي يفرح بأكلك عنده ، وإفطارك لديه فرحا ينسى به الأكل ، ويشبعه بدل الطعام ، فضلا عن أكله ، ويحزن على تركك لطعامه ومخالفتك له ، حزنا لا يشتهى [ معه ] الطعام يوما وليلة ، وربما تربص بذلك الطعام ، فلم يأكل هو ، ولم يطعم غيره ، ينتظر إجابة الأخ له بعد ذلك ، وربما تصدق به إذا قلع رجاءه من إجابة أخيه تحرجا أن يأكل هو بعد ما لم يأكل أخوه ذلك ، فهذه كانت بعض صفة الأخ الذي كان يجب على الأخ أن يفطر لطلب رضاه ، ولالتماس سروره ، وهذا الأخ اليوم ضالة لا توجد ، ونجم غاب فلا يطلع . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وما وضع الناس شيئا إلا رفعه اللّه ، ولا رفعوا شيئا إلا وضعه اللّه » . قال وهب بن منبه : كان في بني إسرائيل راهب على رأسه ثلاث عمامات ، فجاء إليه قوم ، فقالوا : قد أصبنا اليوم عجبا ، دفنا فلان العابد عشرين مرة ، كل ذلك يقذفه القبر ، فتركناه ، فوقع العبد في السجود ، فعبد اللّه عشرين سنة ، فرأى ليلة الجمعة المنام قائلا ، يقول له : أنت تذكرنى ؟ وأنت ترى جمجمة العابد نحوك ؟ فجاء العابد ، فنظر إلى جمجمة قد ابيض [ ت ] من طول الزمان ، وإذا على جبهته مكتوب فتأمله ،
هامش
( 1 ) فسر الرسول صلى اللّه عليه وسلم الشهوة الخفية في باب من أبواب التشريع ، وركن من أركان الإسلام ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم أستاذ العقيدة ، ولا بد من تصحيح الأركان أولا ، وقد فتح بذلك باب الفهم في الشهوة الخفية ، وأنها ليست قاصرة على فسخ عقد الصوم ، بل إنها كذلك في الصلاة ، والزكاة ، والحج ، وغير ذلك من الأعمال والعلوم . ( 2 ) لأن طلب العلو والرفعة آفة من آفات الأعمال ، إن لم تكن أهمها ، قال تعالى :تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ القصص : 83 ] .
علم القلوب — صفحة 156 | أبي طالب المكي / عبد القادر احمد عطا