وقال [ ذو النون ] المصري : الشرك على أربعة أوجه : فوجه هو الشرك في التوحيد ، وهو شرك اليهود والنصارى ، وشرك في شئ من الدنيا ، عند [ ما ] يجعله عدة له ، ويتكل عليه ، ويقول : هو عندي هذا الشئ ، فيعبده الآن ، وشرك في شك ، وهو الصانع الملتمس لرزقه من الصنعة ، يقول : إن لم أطلب وأعمل ، [ ف ] من أين آكل ؟ وشرك في الأعمال « 1 » .
وقال بعضهم : العمل في ثلاثة : يرى التوفيق في العمل من اللّه ، ويلتمس بعمله رضا اللّه ، ويطلب ثواب عمله بعد الموت « 2 » ، فإذا رأى ابتداء عمله من اللّه ، نفى به العجب بالعمل ، وإذا التمس بعمله رضى اللّه ، نفى المحمدة والمذمة من خلق اللّه ، وإذا التمس بعمله الثواب بعد الموت ، نفى به الطمع في المخلوقين .
وقال الجنيد ، رحمه اللّه : الذي يفسد [ القلب كما ] يفسد الخل العسل ، سوء الخلق ، والذي يحرق الحسنات كما تحرق النار الحطب ، الحسد « 3 » ، والذي يحلق البر كما يحلق الموسى الشعر ، الغل والتبغض ، والذي يفلس العبد يوم القيامة ، الكبر والخيلاء « 4 » ، والذي يعمى قلب العبد عن موارد الحق من اللّه تعالى متابعة النفس والهوى ، والذي يقطع العبد عن الأعمال الصالحة أهل البطر والغفلة .
وسئل بعضهم : ما الفرق بين إخلاص « 5 » العبودية ، وإخلاص الهمة ، وإخلاص التوحيد ؟ قال : نعم ، إخلاص العبودية هو صفاء التوجه إلى اللّه ، وصحة العمل ، مع التبري من الحول والقوة ، وإخلاص الهمة قطع العلائق من القلوب ، ليصفو من
هامش
( 1 ) الشرك في الأعمال أن يعمل الإنسان الخير لينال الشهرة عند الخلق ، أو لطلب مجد في الدنيا ، أو ليقصده الناس للتعليم فيباهى بكثرة طلابه .
( 2 ) بل الراجح عند الصوفية أن يعمل العامل دون رغبة في ثواب ، فطلب الثواب عندهم مرتبة صغار المريدين ، وعلى أي حال ، فهو سلك محمود بوجه عام .
( 3 ) لأنه اعتراض صريح على الحكمة الإلهية ، فالحاسد يرى نفسه أحق من المحمود بالنعمة ، وأن اللّه كان يجب عليه أن ينعم بها عليه هو .
( 4 ) لأنهما آفة الآفات في الأعمال ، فالكبرياء صفة مميزة للّه تعالى على خلقه ، فالمتكبر يحاول مشاركة اللّه في صفته ، والخيلاء إعجاب ، والإعجاب فيه معنى استكثار العمل ، أو وفاء العمل بحق اللّه تعالى ، والواقع بعيد عن ذلك ، فلا فائدة في هذا العمل ، ومن الخيلاء في الصداقات اعتقاد امتياز المعطى على المعطى له واحتقاره ، وذلك باب من أبواب نسيان النعم .
( 5 ) في الأصل : أخلاق .