وقال أحمد بن الحوارى : قلت لأبى سليمان الدارانى : صليت صلاة في خلوة ، فوجدت لها لذة ، قال : وأي شئ ألذ منها ؟ قلت : حيث لم يرني أحد ، قال : إنك لضعيف حيث خطر بقلبك الخلق ، إنك لا تكون مخلصا في عملك حتى لا ترى في الدارين أحدا غير ربك .
وهذا على قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون الناس عنده كالأبعرة » ، فهذا حقيقة نفى رؤية الخلق للعبد عند العبد ، ثم قال في تمام الوصف : ثم يرجع إلى نفسه فيراها أحقر حاقر ، وهذا حقيقة نفى رؤية العبد للعبد في العبد ، ففي الفصل الأول علة الخلق ، وفي الفصل الثاني علة النفس ، ولا يخلص عمل العبد إلا بنفي العلتين جميعا .
وقال الدارانى : إن من لطائف المعاريض قوله جل ذكره :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ
[ الزمر : 3 ] ، تهديد بلطف ، وهذا كما يقول الرجل : إذا كان له أمر نافذ في الناس ، فيراهم يتطففون بالكيل بالقفزة الناقصة ، فيقول لهم من غير تصريح بالتهديد : عندي قفيز تام ، فهذا قد هددهم بتهديد لطيف ، كأنه يقول : سوف أظهر لكم خسرانكم إذا غيرت أقفزتكم الناقصة بقفيزي التام .
ومثل هذا [ ال ] تهديد بلطف قوله عز وجل لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، لما خالفه الخلق وآذوه ، ولم يجيبوه في دعوته إلى اللّه ، تلطف « 1 » اللّه في التهديد ، فقال عز وجل :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[ الأنعام : 91 ] ، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه إذا عزم على عقوبة مخالفه : قل : بسم اللّه ، وخل بيني وبينه ، فهذا قد بالغ في التهديد بألطف لطيفة .
وكان معروف الكرخي قد علق بجانبه سوطا لتأديب نفسه إذا أنكر منه حاله ، فدخلوا عليه يوما ، فإذا هو يضرب على ساقه ، ويعاتب نفسه ، ويقول : يا مسكينة ، كم تبكين وتندمين ، اخلصى ، وتخلصى ، فنظر إليهم وقد وقفوا عليه ، فقال : يا أصحابي لا تلوموني ، فإن الغريم اللجوج لا يدفع الحق إلا بالضرب والحبس ، ومثل هذا قول بشر : يا ابن آدم نفسك لا تطاوعك فيما تريد ، فلا تطاوعها فيما تطلب .
وقال حاتم الأصم : تعاهد نفسك في خمسة أشياء : العمل الصالح بغير رياء ، والأخذ بلا طمع ، والعطاء بغير ضن ، والإمساك بغير بخل ، وأكل بغير شره ، فالرياء
هامش
( 1 ) في الأصل : لطف .