لأثر بركات ذلك عليه آخر الدهر .
وقال إبراهيم بن شيبان : من أراد أن يكون حرا من الكون ، فليخلص عبادة ربه ، فمن تحقق في عبودية ربه صار حرا مما سواه « 1 » ، كيف يصح لعامل إخلاص عمله وهو يطلب بعمله مخلوقا مثل عمله ، فإذا كان العبد مخلوقا ، وعمله مخلوقا ، كيف يكون مخلصا بعمله لخالق المخلوقين ، فتدبروا .
وقال بعضهم : لا يكون العمل مخلصا حتى يخلص من ثلاثة : من رؤية الخلق ، ورؤية النفس ، ورؤية طمع الجزاء عليه من الرب .
وقال أبو بكر الرقى : الإخلاص هو أن يكون ظاهره للإنسان وباطنه وسكونه وحركاته خالصا للّه تعالى ، لا يشوبه نفس ، ولا هوى ، ولا خلق ، ولا طمع .
وقال عبد اللّه الرازي الشعراني : من لم يستغنم السكوت ، فهو إذا نطق نطق بلغو ، ومن لم يستغنم الخلوة ، فإنه إذا خرج خاض في الباطل ، وينبغي للمخلص أن يفتقد حال خلوته ، وسكوته ، وجوعه ، وبكائه ، وحزنه ، ينبغي أن تأكل خلوته أشغاله « 2 » ، وسكوته كلامه ، وجوعه شهواته ، وبكاؤه ضحكه ، وحزنه فرحه ، فصاحب هذه الخلوة إذا خرج من خلوته منعته « 3 » من الأشغال ؛ لأن خلوته قد أكلت أشغاله ، وصاحب هذا مسكوت إذا نطق لم يشنه الكلام ، وصاحب هذا الجوع إذا أكل لم يتلذذ بالطعام ، وصاحب هذا البكاء إذا سكن لم يستفزه الضحك والمراح ، وصاحب هذا الحزن إذا رأى أهل الفرح والسرور اشمأز وانقبض وهرب منهم فرار الفرس الشموس « 4 » ، وفي هذا الفصل تفكر وتدبر لا يعقله إلا أهله « 5 » ، ولا يقف عليه إلا من وفق له « 6 » .
هامش
( 1 ) الحرية عند الصوفية حرية الباطن وجولاته في الميادين المباحة من المعرفة لا حرية الأعضاء التي يطالب بها العامة دائما .
( 2 ) معنى أكلت أشغاله ، قضت على ما يشغله عن اللّه تعالى ، والخلوة نوعان : خلوة العبد عن كل ما يشغل عن اللّه تعالى ، وهو بين الناس عامل مثلهم ، وتسمى الخلوة في الجلوة ، ويسمى صاحبها كائنا بائنا ، وخلوة اصطلاحية وهي أن يحبس المريد نفسه في مكان له شروط خاصة مع التزام طعام خاص وذكر خاص . راجع كتاب الخلوة للشيخ الأكبر ابن عربى .
( 3 ) في الأصل : منعه .
( 4 ) الفرس الشموس الصعب المراس والقياد .
( 5 ) في الأصل : لا يعقلها إلا أهلها .
( 6 ) في الأصل : وفق لها .