تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
اللطيف الرزاق مدحا للنبي المصداق :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] . قال أنس بن مالك : خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبع سنين ، فلا والذي بعثه بالحق نبيا ، ما قال لي في شئ فعلته وهو يكره ذلك لم فعلته ؟ وما تركت شيئا قط من خدمته كان يجب أن أفعله فقال لي : ما لك لم تفعله ، فضلا على أن يلزمني في شئ ، وما كان يلومنى أحد في شئ إلا قال : « دعوه » ، فإنما كان هذا بكتاب وقدر « 1 » ، وكان إذا أراد أمرا فتعسر عليه يقول : « لو قدر لكان » ، وما كان يعيب الطعام إذا قدم إليه ، إن اشتهى أكل ، وإن لم يشته ترك ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر ، فأما في شئ من حقوق اللّه ، أو فيما بين الناس بعضهم مع « 2 » بعض ، فليس عنده هوى لقريب « 3 » ولا بعيد ، وإذا غضب للّه يتطاير الناس من حوله كما يتطاير الصوف من ظهر الغنم ، إذا أصابه العاصف من الريح ، فهذه أخلاقه التي مدحه اللّه بها ، وذكر ذلك في كتابه :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] . قال أنس ، رضى اللّه عنه : وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم أحسن الناس قواما ، وأحسن الناس وجها ، وأطيب الناس ريحا ، وألين الناس كفا ، ما شممت رائحة قط مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحته ، وما مسست قزا ولا حريرا ألين من كفه ، ولقد قالت عائشة ، رضى اللّه عنها ، في ذلك :
ما ضر من قد شم تربة أحمد * ألا يشم الدهر ريح غواليا صبت على مصائب لو أنها * صبت على الأيام عدن لياليا
وقال ابن عطاء في معنى قوله :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] ، قال : جاد بالدنيا والعقبى عوضا من المولى ، زهد في الدنيا ولم يحب العقبى ، ولم يطلب من المولى سوى المولى . وقال الجنيد : احتمل من اللّه البلاء « 4 » ما شكا ، بل رحم وعفا ، فقال : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » ، فأثنى اللّه عليه ، فقال :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
،
هامش
( 1 ) هذا هو مشهد الصوفية على السنن المحمدي ، لا يتقززون من شئ ؛ لأنه أجراه اللّه على العباد ، فهم يشهدون الحكمة ولا يعترضون على العمل ، ولا يهملون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . ( 2 ) في الأصل : في . ( 3 ) في الأصل : بقريب . ( 4 ) هذه العبارة كررت في الأصل مرتين .