حيث لم يؤثر فيك البلاء .
وقال أبو بكر الخوارزمي في معنى قوله :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
: ليست لك همة غيرنا ، إن قلت فلنا ، وإن نظرت فبنا ، وإن جلست فمعنا ، وإن أحببت ففينا ، وإن دعوت فإلينا ، وإن سمعت فمنا ، وإن نزلت فعندنا ، ليس مما معك لك شئ ، بل جميع ذلك وكليته لنا .
وقال الواسطي في معنى الآية : الخلق لا يحتمله العامة ، والخلق لمن تخلق بأخلاق الرب ؛ لأن اللّه عز وجل أوحى إلى داود : تخلق بأخلاقى ، فإني أنا الصبور ، فمن أوتى [ ذلك أوتى ] أعظم المقامات ؛ لأن [ ل ] لمقمات ارتباطا بالعلوم « 1 » ، وللخلق ارتباطا بالصفات والنعوت .
وفي الخبر أن للّه تعالى ثلاثمائة وبضعة عشر خلقا ، من لقيه بخلق منها دخل الجنة ، فقال أبو بكر الصديق ، رضى اللّه عنه : هل [ في ] منها من خلق واحد يا رسول اللّه ؟
قال : « كلها فيك يا أبا بكر ، وأحبها إلى اللّه السخاء » « 2 » . فانظر إلى هذه الفضيلة التي صغر في جنبها كل فضيلة ، ما يسأل عن مقام من اجتمع فيه ثلاثمائة وبضع عشر جزءا مما لو اجتمع منها جزء واحد في جميع الخلق لدخلوا كلهم الجنة .
وقال الحسن البصري ، رحمه اللّه ، في معنى ذلك : عظم خلقك ، حيث لم ترض بالأخلاق ، وسرت لم تسكن إلى النعوت ، حتى وصلت إلى الذات ، ثم فنيت عن الذات بالذات ، حتى وصلت إلى حقيقة الذات ، ومن فنى بالفناء عن الفناء ، كان القائم غيره بالفناء « 3 » ، وقال بعض المحبين :
هامش
( 1 ) المقام ما يثبت من الحال ، والمقامات تثبت صاحبها في الصبر والرضا والشكر ، وهي أساس العلوم حقا ، فالصبر من مستلزمات العلوم ، والرضا عن اللّه يمنع العالم من التأويل لمصلحة هواه ، والشكر داعية الزيادة ، وهكذا بقية المقامات .
( 2 ) لا يجتمع عرفان ويخل بأي حال من الأحوال ، وقد كان سيدي أحمد العربي الدرقانى يختبر المريد الذي قارب الفطام في ماله ، فإذا وجده سخيا مضى به في السلوك ، وإن وجده شحيحا أوقفه في مكانه ، وذلك لأن المال من محتويات النفس والهوى ، فالشح به يميل بالنفس على أبسط التقديرات إلى تأويل شحه والخروج به إلى مخرج الجواز الشرعي ، ومن هنا أحب اللّه السخاء وأحب صاحب السخاء .
( 3 ) الفناء عدم رؤية الأكوان ، والتوجه إلى اللّه باستلهام العون منه تعالى ، والفناء عن الفناء نسيان الفاني أنه فنى عن الأكوان ، وذلك حين يصير الفناء ملكة من ملكات روحه ، ومثال ذلك :
الكاتب على آلة الكتابة الماهر في ذلك تضرب أصابعه الحروف دون تفكير فيها ، ولا بحث -