تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فالأول : قوله :
إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
، قيل في تفسير الظاهر : هو القرض ، وقيل : موعظة الأخ أخا للّه هي صدقة يتصدق بها عليه ، وكف أذى لسانك عن المسلمين صدقة ، وإرشادك الأعمى إلى الطريق صدقة . ثم قال :
أَوْ مَعْرُوفٍ
، وهو كل ما قبله العلم وعرف مثله في الأثر الصحيح ، ثم قال :
أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
، وهو الكلام في إصلاح ذات البين . ثم قال :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
، يعنى هذه الخصال المذكورة ، يقول : لا كل من عمل بهذه الخصال قبل منه ، ولكن من عمل مخلصا بها لا لرؤية خلق ، واتباع هوى ، بل طلبا [ ل ] رضى اللّه عنه ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
، والعظيم من الجزاء لا يقدر قدره إلا العظيم ، ومثله قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ النساء : 135 ] الآية . ويقال : كل ما في كتابنا :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
، [ و ] في التوراة : يا أيها المسكين ، وليس شرف العبد إلا في التمسك بالمسكنة والفقر والانكسار والخضوع تحت هيبة الرب ، ألا ترى إلى قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم لما نظر في الملك والملكوت ، فلم ير شيئا أجل قدرا وأعظم خطرا من المسكنة ، فسأل مولاه ذلك ، فقال : « اللهم أحيني مسكينا ، وأمتنى مسكينا ، واحشرنى في زمرة المساكين » « 1 » . قال ابن عباس في تفسير الآية :
كُونُوا قَوَّامِينَ
، يعنى قوالين ، ناطقين بالعدل ،
شُهَداءَ لِلَّهِ
، ولو كانت الشهادة على أنفسكم ، أو على أبويكم ، أو على أقربائكم ، لا تميلوا مع الهوى في أقوالكم ، ولكن انطقوا بالحق ، ولقد أوحى المسمى بالصبور إلى صاحب الزبور : يا داود ، حرام على قلب يحب الدنيا أن يقول الحق .
هامش
( 1 ) ليس معنى هذا أن التوراة أتم من القرآن في السلوك الديني ، بل إن الرسالات السماوية نزلت بالتدرج التعليمي ، وبدأت في الطريق من أوله حتى انتهت إلى ذروة التعليم الديني في الإسلام ، ولذلك كانت رسالة اليهودية والنصرانية تنتزعان نحو التجرد الكلى ، والرهبنة ، والتخلي عن كل ما هو من شؤون الحياة المترفة ، إلا من الكفاف ، والتخشن في اللباس ، ولذلك كان النداء : يا أيها المسكين ، تربية للعقول السائرة على مدرجة الطريق ، فلما جاء الإسلام بتقويم الحياتين الدنيا والعقبى ، ونادى بتعميرهما وعدم طغيان واحدة منهما على الأخرى ، وإظهار آيات اللّه في الخلق بالعلم ، والسعي ، وبالفكر ، كان لا بد هنا من الإيمان العميق ، فكان النداء في الإسلام :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وكان لا بد من استيطان المسكنة في قلوب المؤمنين لحفظ الإسلام وتقويم النظام ، من هنا كان دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم .